
يظل المؤرخ الجزائري القدير محمد حربي نموذجاً فريداً للمثقف العضوي الذي رفض المقايضة بالحقيقة. فبينما ذهب البعض لتوظيف نقد حربي للممارسات السلطوية لجبهة التحرير بعد الاستقلال كذريعة للنيل من شرعية الثورة، كان حربي يقف كالجبل الأشم، موضحاً أن نقد “الذات” هو فعل تقويم وطني، أما جرائم الاستعمار فهي “خطيئة وجودية” لا تقبل القسمة على اثنين. لقد كان حربي يشرّح أخطاء الثورة بمشرط الجرّاح المحب، بينما كان يهدم صرح الاستعمار بمعول المؤرخ الذي لا يرحم التزييف. فعلى الرغم من تفرغه لتوثيق الانحرافات البيروقراطية داخل جهاز الثورة، إلا أن بوصلة حربي الأخلاقية تجاه “وحشية الاستعمار الفرنسي” لم تتزحزح. فمحمد حربي كان يرى أن التعذيب المنهجي لم يكن “تجاوزاً فردياً”، بل كان الحمض النووي للإدارة الاستعمارية ورأى حربي أن فرنسا لم تحتل الأرض فحسب بل حاولت “محو الانسان” وإبادته ثقافياً وهو ما جعل القتل على الهوية والملبس ممارسة بنيوية في جيش الاحتلال الفرنسي. كما ان نقده للقيادة الجزائرية بعد الاستقلال عام 1962 لم يمنحه أي تقارب مع السردية الفرنسية؛ بل كان يرى أن قبح الاستعمار هو الذي أنتج بذور التوتر اللاحقة، محمّلاً الجمهورية الفرنسية المسؤولية التاريخية عن تشويه البنية الاجتماعية والسياسية للجزائر. فأحداث 8 مايو 1945، على سبيل المثال، تمثل النقطة التي تظهر فيها الفجوة الأخلاقية بين مؤرخ كحربي وبين تيار “المؤرخين اليمينيين” في فرنسا.
إن من يتذرع بالحياد العلمي للتشكيك في أرقام المجازر أو بشاعة أفلام التعذيب، إنما يمارس نوعاً من “الإرهاب الفكري” المغلف بالأكاديمية. إن موقف محمد حربي يلقمنا درساً بليغاً مفاده أن الموضوعية لا تعني الوقوف على مسافة واحدة بين الضحية والجلاد. فهؤلاء الذين يشككون في شهادات شهود العيان الجزائريين باسم “النقد التاريخي” لا يفعلون ذلك بحثاً عن الحقيقة، بل سعياً لتنظيف “الذاكرة الاستعمارية” من بقع الدم. إنهم يحاولون حماية “صورة فرنسا” كراعية لحقوق الإنسان، متجاهلين أن تلك الحقوق كانت تنتهي عند شواطئ البحر المتوسط؛ فحيادهم هو في حقيقة الأمر “انحياز للصمت”، وهو أسوأ أنواع التواطؤ.
إن عظمة محمد حربي تكمن في أنه لم يسمح للاستعمار بأن يكون شماعة لأخطاء ما بعد الاستقلال، وفي الوقت ذاته فإنه لم يسمح لتلك الأخطاء بأن تكون مبرراً لتجميل وجه الاستعمار القبيح. لقد رحل حربي تاركاً لنا إرثاً يقول: “كن شجاعاً في نقد نفسك، ولكن كن أكثر شجاعة في فضح من استعبد أرضك وقتل شعبك”.
