
تفترض الميتابايولوجيا أن الإنسان، بعد التحويلة التطورية التي فصلته نوعيًا عن الحيوان، لم يعد يُشكَّل عبر الوراثة البايولوجية وحدها، بل عبر منظومة ثلاثية متداخلة تعمل في العمق: الطبع (Type)، المنع (Taboo)، والتوريث الرمزي (Tradition).. هذه المنظومة لا تُنتج السلوك فقط، بل تُنتج العقل الممكن وحدود التفكير وأفق الفعل وما يُسمح به وما يُستحيل التفكير فيه أصلًا.
في الحيوان، يجري تشكيل السلوك عبر أنماط عصبية موروثة واستجابات غريزية ثابتة نسبيًا. أما الإنسان، فإنه قد دخل مرحلة جديدة، إذ لم يعد السلوك ناتجًا عن الاستجابة، بل عن الطبع في قالب. الطبع هنا لا يعني “التصنيف”، بل نقشٌ مبكر في البُنية النفسية–العصبية يسبق الوعي ويُوجّهه. فالإنسان لا يتعلم كيف يكون “ذكرًا” أو “أنثى”، “صالحًا” أو “منحرفًا”، “عاقلًا” أو “مجنونًا” بوصفها صفات لاحقة، بل يُطبع منذ البداية داخل قوالب رمزية جاهزة كنوع الشخصية أو الدور أو القيمة أو المسموح والممنوع. وهكذا تتحوّل الهوية من كينونة مفتوحة إلى قالب يُملأ. فالتحويلة الميتابايولوجية الأولى لم تنتج “إنسانًا أذكى”، بل إنسانًا قابلًا للطبع وللتشكيل ولإعادة النسخ.
في الحيوان، يرتبط المنع بالخطر المباشر: نار أو مفترس أو سم. أما في الإنسان، فقد نشأ نوع جديد من المنع؛ منع لا يستند إلى الخطر، بل إلى المعنى. فالـ Taboo هو آلية ضبط ميتابايولوجية لا تمنع الفعل فقط، بل تمنع التفكير فيه وتمنع تخيّله وأحيانًا تمنع تسميته. وهنا يكمن التحول الخطير: فالمنع لم يعد استجابة غريزية، بل بنية رمزية مغروسة في الضمير. وبهذا المعنى: فإن المحرّم ليس ما يضر الجسد، بل ما يهدد النظام الرمزي أو يخلخل القالب فيكشف هشاشته. فالمنع هو:
أداة صيانة القالب بعد طبعه.
فإذا كانت البايولوجيا تورّث عبر الجينات، فإن الميتابايولوجيا تورّث عبر التسليم. فالتراث Tradition ليس “الماضي”، بل عملية نقل منظّم للقوالب والمنعيات والقصص من جيل إلى جيل. فما يُسلَّم ليس فقط العادات والطقوس واللغة، بل نماذج التفكير وأنماط الخوف وخرائط المسموح والمحرّم وصور “الإنسان السوي”. وهنا يحدث الانفصال الجذري عن الحيوان؛ فالإنسان يرث ما لم يعشه، فيتحمل تبعات وتداعيات ذنوبٍ لم يرتكبها ومحرمات لم يفهم أصلها وقوالب لم يخترها.
إن هذه المفاهيم الثلاثة لا تعمل منفصلة، بل كنظام واحد:
1. الطبع (Type)يحدّد القالب.
2. المنع (Taboo)يحرس القالب من الانهيار.
3. التوريث (Tradition)يضمن استمرارية القالب عبر الزمن.
وهكذا يتشكّل الإنسان لا بوصفه كائنًا حرًا، بل كائنًا مطبوعًا مضبوطًا وموُرِّثًا.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن ما تكشفه هذه البنية هو أن مأزق الإنسان الحديث ليس أخلاقيًا ولا نفسيًا فقط، بل بنيوياً: فهو كائن طُبع قبل أن يختار، ومُنع قبل أن يفهم، ووُرّث قبل أن يعي. ومن هنا تنشأ ازدواجية الإرادة والصراع الداخلي والشعور بالذنب بلا سبب والتمرّد الأعمى أو الطاعة العمياء. وكل مشروع تحرري، معرفي أو ديني أو إنساني، لا يمر عبر تفكيك الطبع والمنع والتوريث الرمزي، فإنه يبقى يدور داخل القالب ذاته، ولو ظنّ أنه قد قام بكسره.
