
تعد مجازر 8 مايو 1945 في سطيف، قالمة وخراطة، المختبر الحقيقي الذي يكشف الفرق بين “المؤرخ النزيه” وبين من يتستر خلف “الموضوعية” لتمرير أجندات استعمارية. فبينما حاول مؤرخو اليمين والوسط في فرنسا “عقلنة” المجزرة، وقف المؤرخ الجزائري محمد حربي ليفكك هذه الأكاذيب. فقد رأى أن جوهر المجزرة هي إبادة جماعية استهدفت وأدت لقتل آلاف الجزائريين العزل لمجرد رفعهم العلم الوطني بينما كان مؤرخو اليميين يصورونها كـ “صدام” أو “أعمال شغب” بدأت باعتداء من الجزائريين. رأى حربي أن سلاح الأرقام يتبنى الرقم الوطني (45 ألف شهيد) بناءً على اتساع الرقعة الجغرافية ووحشية القمع، لكن مؤرخو اليمين تمسكوا بأرقام الإدارة الفرنسية (1500-2000 قتيل) بدعوى أنها “موثقة” في الأرشيف الرسمي. أعتبر محمد حربي شهادة الفلاح والناجي الجزائري مرجعاً أساسياً لا يقل قيمة عن الوثيقة لكن مؤرخو اليمين رفضوا الشهادات الشفوية للضحايا بحجة أنها “ذاتية” و”غير علمية”. فحربي يرى أن التشكيك في أعداد الضحايا أو التشكيك في صور التعذيب بحجة “التثبت العلمي” هو في الواقع جريمة ثانية تُرتكب في حق الضحايا. إن هؤلاء “الموضوعيين” يتجاهلون عمداً أن الاستعمار، بطبيعته، لا يوثق جرائمه بصدق في أرشيفه الرسمي.
إن موقف حربي تجاه هؤلاء كان واضحاً: “لا يمكن أن نطلب من الضحية تقديم فواتير بدمائها لكي يعترف الجلاد بجريمته”. لقد كشف حربي أن تبرئة “الجمهورية الفرنسية” من إرثها الاستعماري هو فعل سياسي يرتدي قناع العلم، وهو ما جعل من مشروعه المعرفي جدار صد أمام محاولات “غسل الذاكرة” التي تمارسها بعض الدوائر في باريس.
