الإنسان بين التفسير التطوري ومأزق الصفات الهدّامة

هل تكفي  البايولوجيا التطورية لتفسير الظاهرة الإنسانية؟ سؤالٌ لابد، وقبل الإجابة عليه استذكار ما يلي: قامت البايولوجيا التطورية، منذ صوغها الكلاسيكي على يد Charles Darwin ومن تبعه، على افتراضٍ مركزي مفاده أن الآليات التي تفسّر نشوء الصفات والسلوكيات في عالم الحيوان قادرة، من حيث المبدأ، على تفسير السلوك الإنساني بكامله. ووفق هذا التصور، فإن كل سمة نفسية أو سلوكية لا بد أن تكون قد نشأت لأنها تمنح الكائن الحي ميزةً ما في صراع البقاء، أو تساهم في تعزيز التكيف، أو تزيد من فرص التناسل والاستمرار. غير أن هذا الافتراض، على الرغم مما يبدو من اتساقه النظري، يصطدم عند مقاربته للظاهرة الإنسانية بجدارٍ صلب من الصفات والسلوكيات التي لا يمكن تبرير وجودها بمنطق المنفعة التطورية، بل تبدو، في كثير من مظاهرها، مناقضةً له ومقوِّضةً لأسسه.
فالحيوان لا يواجه، مهما بلغت درجة تعقيده العصبي، حالاتٍ وجودية من قبيل: الحزن العميق الممتد بلا سبب مباشر والسأم الوجودي والضجر من الحياة ذاتها والإحساس بالعدمية وانعدام الجدوى والاكتئاب المفرط الذي يشلّ القدرة على الفعل والنفور من الجماعة ورفض الانخراط في “القطيع” والتناقض الحاد في تقييم الآخرين بناءً على انطباعات أولية متسرّعة.
ففي عالم الحيوان، تُضبط الاستجابات الانفعالية ضمن أطر وظيفية صارمة: الخوف أو العدوان أو الانسحاب أو التودد، وكلها مشاعر مرتبطة مباشرة بسياق محدد وبغاية واضحة. أما الإنسان، فينتج مشاعر سلبية معقّدة لا تخدم بقاءه، بل قد تدفعه إلى الانسحاب من الحياة أو تدمير ذاته أو الإضرار بعلاقاته أو حتى إنهاء وجوده طوعًا.
فوفقاً للمنطق التطوري الصارم، يفترض ألا تستبقي الطبيعة صفات تُضعف الكائن الحي أو تعرّضه للهلاك. فكيف إذن نفسر:
• تطوّر حالات اكتئاب تعيق العمل والتفاعل؟
• نشوء ضجر مزمن يجعل الحياة عبئًا؟
• تبلور نزعات عدميّة تُفرغ الوجود من معناه؟
• قابلية عالية للخطأ في الحكم على الآخرين، رغم ملايين السنين من “الانتقاء”؟
إن افتراض أن هذه الظواهر “آثار جانبية” لتضخم القدرات المعرفية لا يحل الإشكال، بل يؤجله. إذ لا يزال السؤال قائمًا: لماذا لم تُصحّح هذه الآثار عبر الانتقاء الطبيعي؟ ولماذا تُرك الإنسان أسير منظومة نفسية قادرة على تقويض توازنه الفردي والجماعي؟
فالحيوان يقيّم بدقة: صديق/عدو، خطر/أمان، فرصة/تهديد. تقييماته سريعة، لكنها نادرة الخطأ، لأنها محكومة بمعطيات حسية مباشرة وخبرات متراكمة. أما الإنسان، فيُصدر أحكامًا متسرّعة، مشحونة بانفعالات أولية، ومبنية على جهل بكامل مفردات المشهد، وعلى إسقاطات نفسية لا تستند إلى أي مصداقية خبراتية. وهو ما ينتج عنه علاقات اجتماعية هشّة وصراعات غير ضرورية وسوء تقدير مستمر للآخر وانقسام داخلي بين العقل والانفعال. وهنا ينهار الادعاء بأن العقل الإنساني هو مجرد امتداد متفوق للعقل الحيواني؛ إذ لو كان الأمر كذلك، لكان أكثر انضباطًا لا أقل.
لطالما تعامل الخطاب التطوري مع الإنسان بوصفه “ذروة السلم البايولوجي”، الكائن الأرقى والأكفأ. غير أن مراجعة صادقة للصفات الوجودية والنفسية للإنسان تضع هذا التفخيم موضع تساؤل جذري. فالإنسان أكثر الكائنات سخطًا وأكثرها شكوى وأقلها رضا وأشدها قابلية للانهيار النفسي. وهي سمات لا يمكن عدُّها “تحسينات تطورية”، بل تشير إلى خلل بنيوي لا تملك البايولوجيا التطورية أدوات كافية لتفسيره.
إن هذه المقالة لا تدعو إلى إنكار قيمة التفسير التطوري في فهم عالم الحيوان، ولا إلى التقليل من إسهاماته العلمية، بل إلى تحرير مقاربة الإنسان من الافتراض القائل بأن ما يفسّر الحيوان يفسّر الإنسان بالضرورة. فالظاهرة الإنسانية، كما تكشفها هذه الصفات الهدّامة، لا تبدو استمرارًا خطيًا لمسار تطوري منضبط، بل انحرافًا نوعيًا، أو قطيعة بنيوية، تستدعي إطارًا تفسيرياً مغايرًا أكثر عمقًا وأقل تفخيمًا وأكثر جرأة في مساءلة المسلّمات. وإلى أن يتحقق ذلك ستبقى البايولوجيا التطورية، عند حدود الإنسان، علمًا ناجحًا في غير مجاله.

أضف تعليق