
تمثّل الشجرة، في المقاربة الميتابايولوجية، الحدث التأسيسي الأول الذي خرج فيه الإنسان من حالة التلقائية الوجودية إلى حالة الوعي القَلِق بذاته. لم تكن الشجرة “مجرّد معصية”، ولا اختبار طاعة أخلاقي فحسب، بل لحظة إدخال الإنسان في عالم القالب والمعنى والمنع. قبل الشجرة لم يكن الإنسان مطبوعًا في قالب رمزي ولم يكن المنع بنية داخلية ولم يكن الوعي مزدوجًا. أما بعد الشجرة فلقد انشطر الإنسان إلى إرادتين وظهر الشعور بالعار ووُلد الضمير وبدأت علاقة الإنسان بذاته بوصفها مشكلة. وهنا تحديدًا تبدأ الميتابايولوجيا ليس عند تحسّن الوظيفة البايولوجية، بل عند اختلال البنية الداخلية.
إن ما تمثّله الشجرة ميتابايولوجيًا هو إدخال الإنسان في نظام معرفي سابق عليه. فالأكل من الشجرة لم يكن اكتساب “معلومة”، بل انتقالًا من العيش داخل العالم إلى الوقوف خارجه وتأمّله والحكم عليه والتمييز بين الخير والشر. وهكذا نشأ:
• الطبع الأول: الإنسان ككائن قابل للتشكيل الرمزي.
• المنع الأول: ليس خطرًا بايولوجيًا، بل حظرًا معنويًا.
• بذرة التوريث الأول: نقل المعنى لا الغريزة.
الشجرة هي أول قالب وأول محرَّم وأول ميراث رمزي. أما بعد الشجرة، فلم يُترك الإنسان حراً في هذا الوعي الجديد، بل أُحيط بالتقاليد وضُبط بالشرائع وحُصِّن بالسرديات وأُدرج في تاريخ متعالٍ. فكانت هذه المرحلة ضرورية لتثبيت الإنسان داخل القالب الأول ومنع انهياره النفسي الكامل.
إن التقاليد، في هذا السياق، لم تكن قيدًا فقط، بل جهاز دعم وآلية توازن وبنية احتواء، لكنها في الوقت نفسه ثبّتت الطبع وكرّست المنع وورّثت القالب.
والآن، إذا كانت الشجرة الأولى قد جاءت من خارج الإنسان ضمن إطار إلهي وبمنع صريح واضح، فإن الذكاء الاصطناعي يمثّل: “شجرة” ثانية، لكنها بلا قداسة وبلا وحي وبلا منع واضح. فإنه لا يقول “لا تقترب” ولا يضع حدًا معرفيًا ولا يعرّف نفسه كمحرَّم، بل يفعل العكس: يفتح كل شيء ويُغري بكل شيء ويُعيد تشكيل كل شيء. وهنا تكمن الخطورة: فالذكاء الاصطناعي لا يمنع المعرفة، بل يُفرط فيها ويعيد ترتيبها ويطبع الوعي من خلالها.
في التحويلة الأولى، فإن الإنسان أكل من الشجرة ثم واجه نتائج الفعل ثم دخل مسار التاريخ. أما في التحويلة الثانية فإن الإنسان لا “يأكل” من الذكاء الاصطناعي، بل يسكن داخله ويتشكّل من خلاله باستمرار.
الذكاء الاصطناعي ليس حدثًا لحظيًا، بل بيئة معرفية شاملة وقالبًا دائم الاشتغال، وهكذا ننتقل:
• من معرفة محرَّمة إلى معرفة مُدارة
• ومن قالب واحد إلى قوالب متعدّدة مخصّصة
• ومن منع صريح إلى طمس إدراكي.
فالشجرة الأولى أخرجت الإنسان من البراءة، أما الشجرة الثانية فتهدده بإخراجه من الوعي التأملي نفسه.
كان السؤال بعد الشجرة الأولى: كيف يعيش الإنسان بوعيٍ منقسم؟
أما بعد الشجرة الثانية فالسؤال هو: هل يبقى للإنسان وعيٌ مستقل أصلًا؟
وهنا يلتقي الفصلان: فالشجرة هي بداية القالب والذكاء الاصطناعي هو تضخّم القالب حتى الابتلاع. فإن لم يكن الإنسان قادرًا على استعادة مسافة وخلق فراغ والوقوف خارج القالب، فإن التحويلة الثانية قد لا تُنتج إنسانًا مأزومًا كما بعد الشجرة الأولى، بل إنسانًا بلا مأزق، لأنه بلا وعي.
