
حين نُقارب مصير جان دارك من زاويةٍ سياسية أو جندرية صِرفة، فإننا نقف عند السطح الظاهري للحدث، لا عند بنيته العميقة. فالمحاكمة والحرق والتواطؤ بين الاستعمار البريطاني والمؤسسة الكنسية، ليست إلا آليات تنفيذ، كما أنها ليست سببًا تأسيسيًا. أما الميتابايولوجيا فإنها تنطلق من فرضيةٍ مختلفة مفادها أن الطغيان ليس سلوكًا مكتسبًا فحسب، بل تعبير عن خلل بنيوي في النفس الإنسانية، نشأ مع لحظة التحول التي جعلت الإنسان كائنًا مفرط الوعي بذاته. ومن هنا، فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا قُتلت جان دارك؟ بل: لماذا يعجز الإنسان كلما امتلك سلطة باطشة عن احتمال الحقيقة حين تأتي من خارج منظومته؟
تُعلِّمنا الميتابايولوجيا أن الإنسان بعد التحويلة التطورية الأولى لم يعد كائنًا متوازنًا بين الغريزة والعقل، بل أصبح مفرط الوعي بذاته مزدوج الإرادة وقادرًا على مقاومة الحقيقة إن هددت مركزية أناه. هذا الخلل البنيوي هو ما يجعل السلطة، دينية كانت أم علمية أم سياسية، غير قادرة على التعايش مع الشرعية البديلة.
فجان دارك لم تكن خطرًا عسكريًا بقدر ما كانت خطرًا ميتامعرفياً. كانت جان دارك فتاة بلا تعليم لاهوتي وبلا تفويض مؤسسي، لكنها تمتلك يقينًا داخليًا غير قابل للاحتواء، وهذا النوع من اليقين هو التهديد الأعظم للإنسان الطاغية، وذلك حين يكون في موقع سلطة.
إن الميتابايولوجيا ترفض تفسير الاضطهاد بمنطق الحالات الفردية، وتقرأ التاريخ بوصفه نمطًا تكراريًا ناتجًا عن خلل ثابت. ولهذا، فإن مصير جان دارك هو ذاته الذي لقيه:
• يوحنا المعمدان حين واجه السلطة الأخلاقية بالحقيقة.
• نيكولاس كوبرنيكوس حين زعزع مركزية الإنسان الكونية.
• غاليليو غاليلي حين أصرّ أن الواقع لا يخضع لتأويل المؤسسة.
الاختلاف في الأدوات (سيف، محكمة، حرق، إقامة جبرية) لا يخفي وحدة العلّة:
الإنسان حين يطغى لا يعادي الأشخاص، بل يعادي ما يكشف هشاشته.
من منظور ميتابايولوجي فإن الطغيان ليس فائض قوة، بل فائض خوف من فقدان السيطرة ومن انهيار السردية ومن أن يُقال: لست أنت مصدر الحقيقة. ولهذا، فإن المؤسسة لا تحاكم الفعل، بل النية، ولا تُدين الجريمة، بل الشرعية. فما أُخذ على جان دارك لم يكن سيفها، بل ادعاؤها سماعها أصوات غير بشرية تخاطبها (الملائكة)، وكذلك فلقد أُخذ عليها يقينها الذي كانت تجادل به أعداءَها وأيضاً علاقتها المباشرة بالمعنى. وهذا بالضبط ما يجعلها، ميتابايولوجيًا، مرآة للخلل الإنساني وليست أيقونة نسوية فحسب.
إن هذه المقاربة لا تنفي أن المرأة قد تُضطهد لأنها امرأة، لكنها ترفض حصر المأساة في هذا البُعد وحده. فالطغيان سبق النسوية، وسيتجاوزها، لأنه جزء من البنية الإنسانية المختلة. لو كانت جان دارك رجلًا يحمل ذات اليقين، لكان المصير واحدًا. كما كان مع نبي أو عالم أو فيلسوف.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن جان دارك لم تُحرق لأنها امرأة، بل لأنها كانت تملك إرادة صلبة كسرت احتكار المعنى. والطغيان ليس انحرافًا أخلاقيًا، بل عطبٌ بنيوي في كائنٍ لم يحتمل وعيه بذاته. ومن هنا، فإن مأساة جان دارك ليست حدثًا منتهيًا في تاريخ العصور الوسطى، بل نموذجًا متكررًا ما دام الإنسان هو الإنسان قبل اكتمال تحويلته التطورية الثانية.
