حقيقةُ العالَم كما كشفها غزو ترمب لفنزويلا

وأخيراً أفاقت أوروبا من سباتِها الطويل، وتبين لها مع انبلاجِ صبيحة الثالث من يناير 2026 أنها كانت تعيشُ جملةً من الأوهام وأضغاثاً من الأحلام خُيِّلَ إليها معها أنها تملكُ حقاً شيئاً من أمرِها، وأنَّ أمريكا التي لولاها لكانت شعوبُها تتحدث اليوم، وبطلاقة، اللغةَ الألمانيةَ الفصحى، لن تطالبَها يوماً بسدادِ ثمن تحريرِها من جيش ألمانيا الهتلري. وإلا فكيف نعلل لهذا الصمت الخجول تجاه ما حدث لدولةٍ مستقلةٍ وعضوةٍ في هيأةِ الأمم المتحدة من عدوانٍ واجتياحٍ وقتلٍ وإضرارٍ بالممتلكاتِ العامةِ والخاصة؟
لقد أدركت أوروبا أخيراً أن العالَمَ لم يكن يوماً عالَماً وردياً، وأنَّ الحريةَ التي كانت تتوهم أنها قد حصلت عليها بتحريرِ أمريكا لها من جيوشِ هتلر، لم تكن إلا وهماً وسراباً. فمع مضي ساعات ذلك اليوم الحزين (الثالث من يناير 2026) أدركت أوروبا أنَّ دورَها آتٍ عما قريب، وأنَّ عليها أن تستعدَّ لتسديدِ ثمن التحرير الأمريكي لها؛ هذا التحرير الذي لن تستطيعَ يوماً أن توفيَ محرِّرَها حقَّه فتكفَّ بالتالي عن سدادِ ثمنِه! وها قد حلَّت أولى بشائرِ الكارثة الوجودية التي تنتظر أوروبا، باتحادِها واقتصاداتِها وحلفِها ووحدةِ تكتُّلِها، قد تجلت بمجاهرةِ الرئيس الأمريكي الحالي ترمب بأطماعِه تجاه جزءٍ من الاتحادِ الأوروبي تابعٍ لدولةٍ من دوله هي الدنمارك. فغرينلاند لم تعد ذلك الجزء الوديع الحالم، ولم يعد أهلُها يعرفون متى ستتلاطم على شواطئِ جزيرتِهم أمواجُ البرمائيات، وتحلِّقُ في سمائهم شتى أنواع الطائراتِ والمروحيات، وتتسابقُ على أرضِهم وأرضِ أجدادِهم أقدامُ الأمريكان الغزاة! فهنيئاً لأوروبا بعصرِ أمريكا الذهبي وبالفارسِ الأمريكي الذي وعد شعبه بأن “يجعل أمريكا عظيمةً مرةً أخرى”: مرةً أخرى؟ نعم مرةً أخرى تذكِّر بتلك المرة الأولى التي سامَ فيها المستعمرون الأوروبيون الأوائل السكان الأصليين لأمريكا سوءَ العذاب ليحلوا محلَّهم ويتمتعوا بخيراتِ أرضِهم ويعيثوا فيها الفساد. فمن يدري لعلَّ يوماً ما يأتي ولن يعودَ بعدها في أوروبا ما يذكر بماضيها وتراثِها وحضارتِها ومدنيتِها، أما وأنَّ رعاة البقر الكاوبوي قد أصبحوا منها قابَ قوسَين أو أدنى.

أضف تعليق