
لا تمثل العبقرية مجرد قدرة فائقة على الإنجاز، بل هي في جوهرها “استفزاز وجودي” للمحيطين بها. فعندما يظهر العبقري في وسط ما، فإنه لا يكتفي بتقديم نتاجه الإبداعي، بل يضع، دون قصد، مرآة كاشفة أمام الآخرين ليروا من خلالها حدود قدراتهم وفجوات موهبتهم. إن الحسد هنا ليس مجرد رغبة في زوال النعمة، بل هو رد فعل دفاعي تجاه ذلك “التوهج” الذي يجعل الاجتهاد العادي يبدو شاحباً وباهتاً.
يُعد الموسيقار “أنطونيو سالييري” الرمز الأبدي لهذا النوع من الغيرة القاتلة تجاه “موتسارت”. تكمن مأساة سالييري في أنه كان موسيقياً مجتهداً، مثابراً، وعارفاً بأصول صنعته، لكنه كان يفتقر إلى تلك “الشرارة الإلهية” التي تجعل النغم يتدفق من موتسارت كشلال طبيعي. فما يحرق قلب “المتشبه بالعبقري” ليس النتيجة النهائية فحسب، بل “السهولة واليسر” التي يبدع بها العبقري. إن الحسد في أوساط المبدعين ينبع من “الوعي الحاد”؛ فالمبدع الأقل شأناً هو الوحيد القادر على تقدير حجم عظمة العبقري، وهذا التقدير هو نفسه الذي يولد شعوره بالدونية.
في نموذج آخر، نجد الصراع بين “توماس إديسون” و”نيكولا تسلا”. هنا يتجلى الحسد في شكل محاولة للتحجيم والإقصاء. إديسون، الذي كان يرى العبقرية “99% منها عرق وجهد”، اصطدم بعبقرية تسلا “الرؤيوية” التي تتجاوز المختبرات لتخاطب قوانين الكون. عندما يشعر “المجتهد” أن مكانته مهددة من قِبل “صاحب الرؤية”، فإنه يلجأ غالباً إلى استخدام أدواته البيروقراطية أو سلطته لعرقلة هذا التوهج، خوفاً من أن ينكشف الفرق بين “الصنعة” و”العبقرية”.
إن ما يرفض الكثيرون الاعتراف به هو أن العبقرية بُنية بايولوجية وروحية فطرية. هي “طفرة” لا يمكن إعادة إنتاجها بالتدريب المستمر أو التكرار الممل. فـ “العبقرية هي القدرة على الوصول إلى الحقيقة دون الحاجة إلى المرور بكل مراحل الاستدلال المنطقي. فمتى يدرك “المتشبهون” أن محاولة مضاهاة العبقري بالجهد العضلي فقط هي معركة خاسرة؟ إن العبقرية إما أن تُمنح لك في لحظة التكوين الأولى، أو أنك ستقضي عمرك تطارد ظلها. هذا الإدراك هو السبيل الوحيد للتحول من “حاسد” للعبقري إلى “مستمتع” بنتاجه.
إن تحويل الغيرة من العبقري إلى اعتراف بفرادته هو مخرج أخلاقي وجمالي. فالعبقرية لا تأتي لتسحق الآخرين، بل لتضيء الطريق للبشرية جمعاء. إن على المتفانين في أعمالهم أن يدركوا أن “الإتقان” رتبة شريفة بحد ذاتها، وأنها لا تكتسب قيمتها من منافسة العبقرية، بل من إخلاصها لذاتها. فالكون يحتاج إلى العباقرة ليرسموا المسارات، ويحتاج إلى المجتهدين ليعبدوا الطرق.
