ما الذي تبيَّنَه إخوةُ يوسف بشأنِ الحسد وفاتَ غيرَهم أن يُدرِكَه؟

يكفلُ لنا تدبُّرُ ما تقصُّه علينا سورةُ يوسف بشأنِ علاقةِ النبي يوسف بإخوتِه أن نتبيَّنَ طورَين من أطوارِ الإنسان يمثلان رحلتَه من المعاناة، جراء القدَر الآدمي، وإلى ما بإمكانِه أن يصبحَ عليه إذا ما تابَ وآمنَ وأصلحَ فحسُنَ حالُه مع الله. فإخوةُ يوسف ما كانوا بِدعاً من البشر إذ حسدوا أخاهم وانساقوا وراء ما أمرتهم به أنفسُهم إذ زيَّنت لهم أمرَ التخلصِ منه بهذه الوسيلةِ أو تلك، حتى وإن اقتضى ذلك أن يتواطأوا على قتلِه: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ. إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ. قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) (7- 10 يوسف).
ولكنَّ ما جعل إخوةَ يوسف بِدعاً من البشر هو موقفُهم من أخيهم من بعد ما تبيَّنَ لهم أنَّ العلةَ من وراءِ تمايزِه عنهم، وأفضليتِه عليهم، إنما تعود إلى أنَّ اللهَ قد آثرَه عليهم بسببٍ مما كان عليه من صلاحٍ وتقوى وهدىً وإحسان، وأنَّهم مهما فعلوا وكادوا له ما كان بمقدورِهم أن يحولوا بينه وبين قدَرِه الذي سبق وأن رسمه اللهُ له: (قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ( (90- 91 يوسف).
فالسواد الأعظم من بَني آدم لن يقرُّوا على الإطلاق بما أقرَّ به إخوةُ يوسف إذ أرجعوا ما كان عليه يوسف من تمايزٍ عنهم، وفضلٍ عليهم، إلى فضلِ اللهِ عليه. فأغلب البشر لا يريدون أن يصدِّقوا أنَّهم يفتقرون إلى المنطقِ، أو التقوى، إذ يحسدون هذا أو ذاك من خلقِ الله. فالمحسودُ إما أن يكون قد أوتيَ ما أوتيه بفضلٍ من الله ونعمة، وإما أن يكون قد حاز ما هو عليه من بحبوحةِ عيشٍ ونعماء بجدِّه وعملِه واجتهادِه، وإما أن يكونَ قد ورث مالاً مكَّنه من التمتع برغيدِ العيش، وإما أن يكونَ قد حاز ما حازه من طيب العيش دونما سببٍ منطقي، كما يحدث في حالة اليانصيب على سبيلِ المثال.
لقد أدرك إخوةُ يوسف ما فات الكثيرين إدراكُه إذ تبيَّنَ لهم أنَّ اللهَ تعالى هو من وراءِ ما يحدث للإنسانِ في هذه الدنيا التي جعلها الله خاضعةً لأسبابِه وقوانينِه التي ليس لبشرٍ أن يحولَ دون تجليها المحتوم، كما أنَّ ليس له أن يحولَ دون أن تصيبَ رحمةُ الله ما يشاءُ من عبادِه بقولِه لما يريده له “كن فيكون”: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (من 21 يوسف).

أضف تعليق