
الرزقُ في القرآن نوعان، النوع الأول: رزقٌ مُسبَّبٌ بأسبابِ رحمةِ الله العامة الشاملة، أو رزقٌ مسبَّبٌ بالعملِ والجدِّ والاجتهاد، أو رزقٌ مسبَّبٌ بما نجهل من عالَمِ الأسباب:
1- (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (60 العنكبوت).
2- (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ) (من 40 الروم).
3- (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ) (من 15 سورة سبأ).
أما النوع الثاني من الرزق، فهو غيرُ مسبَّبٍ بعالَمِ الأسباب. وهو رزقٌ لو اجتمعت أسبابُ عالَمِ الأسبابِ كلِّها لما تأتى لها أن تأتيَ به أو تحولَ دون تحصُّلِه:
1- (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (من 2- من 3 الطلاق).
2- (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (من 37 آل عمران).
3- (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (من 131 طه)
ويكفل لنا تدبُّرُ مواضع الرزق في القرآن كلِّها جميعاً أن نخلصَ إلى نتيجةٍ محمَّلةٍ بالدلالات، مفادها أنَّ هذه المواضع هي في الغالبِ الأعم تتحدث عن رزقٍ مسبَّبٍ بالأسباب وذلك مقارنةً مع نزرٍ يسيرٍ منها ورد فيها ذِكرُ الرزق غيرِ المسبب بأسبابِ عالَم الأسباب. وهذا استنتاجٌ يتفقُ تمام الاتفاق مع طبيعةِ انتشار قوانين اللهِ تعالى في عمومِ الوجود. فقوانين الأسبابِ هذه هي التي كفَّلها اللهُ تعالى أمرَ تسييرِ وقائعَ هذا الوجود وظواهرِه وأحداثِه بإذنِه. أما ذلك النزر اليسير من مواضع القرآن التي تتحدث عن رزقٍ غيرِ مسبَّبٍ بهذه القوانين، فإنما هي مواضع تجليات قولِ اللهِ تعالى للشيءِ إذا أراده “كن فيكون”. فبمقتضى “كن فيكون” يتنزل رزقٌ من لدن اللهِ تعالى مبرَّأٌ من كلِّ هذه الأسباب.
