
لم يكن الاستعمار الأوروبي مجرد جيوش تحتل الأرض، بل كان نظاماً يسعى لفرض سلطة معرفية مطلقة تُقصي الشعوب المستعمرة عن تاريخها. وفي حين يتفاخر الغرب اليوم بـ “فضله” في اكتشاف الآثار وفك رموز اللغات القديمة، تظل الحقيقة المنسية هي الكفاح الذي خاضه أبناء هذه البلاد لانتزاع حقهم في دراسة تراثهم، ومواجهة العنصرية العلمية التي مارستها المؤسسات الاستعمارية.
تتجلى هذه السلطة القمعية في تجربة أحمد كمال باشا، أول أثري مصري حقيقي. ففي القرن التاسع عشر، كانت مصلحة الآثار المصرية تدار بعقول وأيدٍ فرنسية، وعلى رأسهم “أوجوست مارييت”. لم يكن الهدف الفرنسي مجرد التنقيب، بل فرض وصاية معرفية تامة؛ لدرجة أن مارييت كان يمنع المصريين منعاً باتاً من تعلم اللغة المصرية القديمة أو دخول دهاليز العمل الآثاري الحقيقي. لقد كان الاعتقاد الاستعماري السائد هو أن “الشرقي” غير مؤهل عقلياً لفهم هذه الحضارة المعقدة، وأن الغرب هو الوصي الشرعي الوحيد عليها.
فعلى الرغم من الحظر والتضييق، خاض أحمد كمال معركة صامتة وشرسة. وحين حيل بينه وبين “أسرار” المتحف، لم يستسلم، بل أدرك أن امتلاك اللغة هو السبيل الوحيد للتحرر المعرفي. وكانت المعجزة هي إصداره لـ “قاموس اللغة المصرية القديمة” (المعجم العربي-المصري القديم)، ليثبت للعالم أن الصلة بين المصري المعاصر وجده القديم ليست مجرد صلة سكن، بل هي وحدة لسان وفكر لا يمكن لمدير فرنسي أن يقطعها.
حتى اليوم، لا يزال الخطاب الغربي يتحدث بنوع من الاستعلاء عن “إنقاذه” لآثارنا، متناسياً أنه هو من وضع العوائق أمام الكوادر الوطنية، وهو من نهب المتاحف بدعوى الحماية. إن ما فعله الاستعمار هو “تأميم التاريخ” لصالحه، وتحويل الآثار إلى مادة لتعزيز الهوية الأوروبية وتفوقها الثقافي، مع تهميش دور أهل البلاد وجعلهم مجرد “عمال حفر” لا “صناع معرفة”.
إن استعادة التراث لا تنتهي باسترداد القطع الأثرية من متاحف لندن وباريس وبرلين فحسب، بل تبدأ بـ تفكيك المركزية الغربية في علم الآثار. إن قصة أحمد كمال تذكرنا بأن المعرفة كانت ولا تزال ساحة حرب، وأن التحرر الحقيقي يبدأ عندما يكتب أصحاب الأرض تاريخهم بأقلامهم، لا بإذن من المستعمر.
