
منذ أن شقَّت فيزياء الكم طريقها إلى الوعي العام، لم تَعُد مجرد حقلٍ علميٍّ متخصص، بل تحوّلت إلى مستودعٍ لغويٍّ ورمزيٍّ تستعير منه الفلسفة وعلم النفس وخطابات ما يسمى بـ“الروحانية الجديدة” مفرداتها ومجازاتها. ويقف “التشابك الكمي” في صدارة هذه المفاهيم بوصفه أحد أكثر مصطلحات الفيزياء حداثةً وغموضًا وأكثرها قابليةً للتوظيف التأويلي الفضفاض. غير أن هذا الإغراء المعرفي يحمل في طيّاته خطرًا منهجيًا بالغًا: تحميل المصطلح العلمي ما لم يُصغ أصلًا لاحتوائه، وإقحامه في مجالات لم تُبنَ أدواته المفهومية للتعامل معه.
فالتشابك الكمي في سياقه الفيزيائي الخالص، يُشير إلى حالة فيزيائية محدّدة لنظامين (أو أكثر) من الجسيمات، بحيث لا يمكن وصف الحالة الكمية لأي جسيم على حدة، بل فقط بوصفها جزءًا من حالةٍ كلية مشتركة. ما يميّز هذا المفهوم أنه رياضي–احتمالي قبل أن يكون وصفيًا وغير قابل للنقل الدلالي المباشر خارج منظومة المعادلات ولا يسمح بأي نقل معلومات أسرع من الضوء، خلافًا للتصورات الشائعة. إذًا، نحن أمام وصف رياضي لسلوك فيزيائي مجهري، لا أمام مبدأ كوني عام أو قانون أنطولوجي شامل.
يبدأ الانزلاق حين يُنتزع المصطلح من سياقه الإجرائي ليُعاد توظيفه بوصفه استعارة عن الترابط الوجودي بين البشر وتفسيرًا “علميًا” لظواهر مثل: التقمّص والتخاطر والتواصل الروحي ووحدة الوعي الكوني.
في هذا التحوّل، لا يعود “التشابك” توصيفًا لحالة فيزيائية، بل يصبح مجازًا ميتافيزيقيًا يُضفى عليه طابعٌ علمي زائف يمنحه سلطة معرفية لم يكتسبها منهجيًا.
في بعض الخطابات النفسية المعاصرة، يُستدعى مفهوم التشابك لتفسير العلاقات العاطفية العميقة والتعلّق المرضي أو الشعور بـ“الارتباط غير المرئي” بين شخصين
وهنا يقع الخلط في مستويين:
1. مستوى التفسير: حيث تُستبدل الآليات النفسية (الذاكرة والإسقاط والتماهي والتعلّق) بمصطلح فيزيائي لا يمتلك أدوات تفسيرية نفسية.
2. مستوى المشروعية العلمية: يُوهِم المصطلحُ الفيزيائي المتلقي بأن الظاهرة النفسية قد حُسِمت علميًا، بينما هي لم تُفهم بعد إلا سلوكيًا وتجريبيًا.
جوهر الإشكال لا يكمن في الاستعارة بحد ذاتها، بل في نسيان أنها استعارة.
فالمفاهيم العلمية ليست رموزًا كونية حرة ولا مفاتيح تفسير شاملة. بل هي أدوات وُلدت داخل شروطٍ منهجية صارمة. وكل إخراجٍ لها من سياقها دون إعادة تأسيس معرفي يُفضي إلى تضليلٍ معرفي وخلطٍ بين العلم والفلسفة وتوهّمٍ بأن الغموض هو عمق.
ولسببٍ بنيوي عميق فيزياء الكم تهزّ البديهيات الكلاسيكية في لغتها غير الحدسية ونتائجها الصادمة للمنطق اليومي. وهذا يجعلها أرضًا خصبة للإسقاطات الفلسفية والنفسية، خصوصًا في زمنٍ يبحث فيه الإنسان عن شرعية “علمية” لأي معنى وجودي.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن النقد هنا ليس رفضًا للتفكير الفلسفي، ولا إنكارًا لإمكان الاستعارة، بل هو دعوة إلى الانضباط المعرفي وذلك بأن نُبقي العلم علمًا والفلسفة فلسفة وأن نُدرك أن الجسر بينهما لا يُبنى بالمصطلحات، بل بالمنهج.
فالتشابك الكمي، مهما بلغ من إدهاش، ليس مفتاحًا لفهم الوعي ولا تفسيرًا للروح ولا دليلًا على وحدة كونية غامضة. إنه مفهوم دقيق وجميل ومحدود؛ جماله الحقيقي يبدأ حين نكفّ عن تحميله ما لا يحتمل.
