
لا يُولد الحسد في صيغته العادية، من فراغ؛ لكنه في حالته المتطرفة، حين يبلغ حدّ الغيرة القاتلة، لا يعود مجرّد انفعال نفسي عابر، بل يتحول إلى استجابة وجودية دفاعية أمام ما يمثله الآخر من تهديد غير مباشر للذات. والعبقري، مهما تنوعت تعريفاته وتعددت تمثلاته، هو قبل كل شيء ضغط وجودي حيّ على محيطه؛ وجوده وحده كافٍ لفضح الفوارق وكشف الأوهام وتعريـة الادعاءات التي يتكئ عليها غيره لتبرير متوسطيتهم.
إن العبقرية ليست تفوقًا كميًا يمكن تعويضه بالمثابرة وحدها، ولا مهارة يمكن اكتسابها بالتدريب مهما طال الزمن. إنها كسر في السقف الوجودي الذي يطمئن تحته معظم البشر. فالعبقري لا يعمل أكثر فقط، ولا يعرف أكثر فحسب، بل يرى بطريقة مختلفة، ويصل إلى نتائج لا يبلغها غيره حتى لو استُنزف عمره في المحاولة. وهنا تكمن المعضلة: المبدع المتوسط، مهما كان مجتهدًا أو مثابرًا، قد يحتمل منافسًا أشد اجتهادًا منه، لكنه نادراً ما يحتمل عبقريًا يعمل في المجال ذاته، لأن العبقري لا ينافسه على النتائج، بل ينقض تعريف اللعبة من أساسها. وفي هذه النقطة تحديدًا، يولد الحسد الأشد فتكًا. فغير العبقري، خصوصًا إن كان متشبهًا بالعباقرة أو متوهمًا مكانتهم، يعجز عن تقبّل حقيقة واحدة بسيطة ومؤلمة: أن الفارق بينه وبين العبقري ليس فارق درجة، بل فارق طبيعة. وهنا يبدأ العقل في إنتاج سرديات دفاعية: التقليل من قيمة الإنجاز والتشكيك في النوايا ونسب النجاح إلى الحظ أو الظروف واتهام العبقري بالغرور أو الجنون أو اللا-أخلاقية. كل ذلك كي لا يضطر إلى مواجهة الحقيقة العارية: أن العبقرية ليست وعدًا يُنال بالاجتهاد وحده، بل هبة تُمنح أو لا تُمنح.
يقدّم لنا التاريخ نماذج فاضحة لهذا النوع من الحسد:
• نيكولا تسلا و توماس إديسون: لم تكن خصومتهما مجرد خلاف تقني أو اقتصادي، بل صراعًا بين عقلٍ يفيض بالأفكار المتقدة، وآخر أدرك، بوعي أو دون وعي، أن هذا الفيضان يهدد صورته ومكانته وسرديته عن نفسه.
• أنطونيو سالييري و فولفغانغ أماديوس موتسارت، فهنا نرى الحسد في أنقى صوره التراجيدية: موسيقي مجتهد ومنضبط ومعترف به اجتماعيًا، لكنه عاجز عن احتمال عبقرية تتدفق بلا استئذان، وتنتج الجمال كما يتنفس البشر.
في الحالتين، لم يكن الذنب ذنب العبقري، بل ذنب من لم يحتمل أن يكون وجوده شاهدًا دائمًا على محدوديته.
من منظور ميتابايولوجي، يمكن القول إن العبقرية تمثل اختلالًا إيجابيًا في البنية البشرية؛ انزياحًا نادرًا عن المتوسط يفتح مسارات جديدة للتفكير والإبداع، لكنه في الوقت ذاته يزعزع توازن الجماعة التي اعتادت سقفًا معرفيًا ونفسيًا محددًا.
أما الحسد، في هذه القراءة، فهو آلية دفاعية بدائية تحاول من خلالها النفس غير القادرة على التطور النوعي أن تُسقط العبقري، بدل أن تعترف بعجزها عن اللحاق به.
يبقى السؤال الجوهري معلقًا: متى يدرك المتشبهون بالعباقرة أن العبقرية ليست قناعًا يُرتدى ولا خطابًا يُتقن ولا جهدًا يُكدّس؟
فالعبقرية إمّا أن تُوهب مع الميلاد، أو لا تُوهب على الإطلاق.
وما بين الحالتين، لا يبقى أمام غير العبقري إلا خياران لا ثالث لهما:
1. التواضع أمام الحقيقة، والعمل في حدود الطاقة الممكنة
2. أو السقوط في الحسد، وما يستتبعه من تشويه وعداء وانتحار معنوي بطيء
وفي النهاية لا يدمر الحسد العبقري، بل يدمر صاحبه، لأنه يرفض أن يرى نفسه كما هي، ويأبى أن يرضى بقدره وأن العبقرية قدرٌ ليس هو من يتحكم فيه بإرادته.
