
في سجلات التاريخ الأوروبي، ثمة خيط رفيع وقاتم يربط بين عواصم القارة العجوز ومستعمراتها البعيدة؛ إنه “الهوس الاستعماري”. هذا الداء الذي لم تبرأ منه أمة أوروبية كبرى، تحول مع الوقت من غزو عسكري مباشر إلى “انتداب” سياسي، وصولاً إلى خطاب معاصر يدعي الديمقراطية بينما لا تزال جروح الماضي تنزف.
لم يكن الاستعمار الفرنسي مجرد رغبة في التوسع الجغرافي، بل كان عقيدة تؤمن بـ “رسالة التمدن” الزائفة. فبينما كانت فرنسا تُخضع الجزائر لقرن وربع من الاستيطان ومحاولة طمس الهوية، كانت عيونها ترنو إلى الطرف الآخر من العالم.
في ستينيات القرن التاسع عشر، وبدفع من الإمبراطور نابليون الثالث، خاضت فرنسا مغامرة استعمارية في المكسيك. لم يكن الهدف المعلن (تحصيل الديون) إلا واجهة لمحاولة إقامة إمبراطورية كاثوليكية تابعة لفرنسا في القارة الأمريكية، ومنافسة النفوذ البروتستانتي المتصاعد للولايات المتحدة. وهنا نجد “مارغريتا مازا” وزوجها “بينيتو خواريز” يمثلان صوت المقاومة الوطنية ضد هذا العبث الإمبراطوري الذي لا يشبع.
بعد الحرب العالمية الأولى، ارتدى الاستعمار ثوباً قانونياً جديداً سُمي بـ “الانتداب”.اتفقت فرنسا وبريطانيا (قوى الحلفاء) على تقسيم تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية) وفق اتفاقيات سرية مثل “سايكس-بيكو”.
لقد صاغ الغرب مفهوم الانتداب تحت ذريعة “مساعدة الأمم التي لم تبلغ بعد درجة من الوعي تؤهلها للحكم الذاتي”. لكن الواقع كان استمراراً للهوس الاستعماري ذاته؛ نهب للموارد ورسم للحدود بالمسطرة والقلم دون اعتبار للجغرافيا البشرية أو الروابط الثقافية، مما زرع بذور النزاعات التي لا تزال المنطقة تحصد مرارتها حتى اليوم.
السؤال الأخلاقي والسياسي الأكبر الذي يطرحه الواقع اليوم: كيف يريدنا هذا الغرب الاستعماري أن نصدق أنه تحول “بكبسة زر” من قوة قمعية تنهب القارات وتستعبد الشعوب، إلى منادٍ بالتحرر وحقوق الإنسان والديمقراطية؟
إن هذا التحول يواجه معضلات منهجية وتاريخية:
1. ازدواجية المعايير: فالديقراطية التي يُبشر بها الغرب غالباً ما تتوقف عند حدوده الجغرافية، بينما تُدعم الأنظمة الوظيفية في مناطق نفوذه القديمة طالما أنها تخدم مصالحه.
2. الاستعمار الجديد (Neo-colonialism):الانتقال من الاحتلال العسكري إلى التبعية الاقتصادية والهيمنة الثقافية وقوة المؤسسات الدولية، وهو استعمار أكثر ذكاءً وأقل كلفة.
3. غياب الاعتذار والتعويض: إن التحول الصادق نحو قيم التحرر يتطلب اعترافاً كاملاً بالجرائم التاريخية وجبر الضرر، وهو ما تتهرب منه معظم القوى الاستعمارية السابقة حتى اللحظة.
إن التاريخ لا يسير بـ “كبسات زر”، والعقلية الاستعمارية التي سادت لقرون لا تتبخر بمجرد إعلان الاستقلال الصوري للدول. إننا مطالبون اليوم بوعي نقدي يفرق بين “القيم الإنسانية” الكونية وبين “التوظيف السياسي” لهذه القيم من قبل قوى كانت بالأمس القريب توزع سلاسل العبودية تحت مسمى “الحماية” أو “الانتداب”. إن الصورة الحقيقية للعالم لن تكتمل إلا عندما يتوقف الغرب عن الزعم بأنه “المَعلَم الديمقراطي” الوحيد، ويعترف بأن إرثه الاستعماري لا يزال يشكل جزءاً كبيراً من أزمة الحاضر.
