احتمالية انتقال السياسة التوسعية الأمريكية إلى مسرح غرينلاند

تشير المعطيات المتراكمة خلال الأعوام الأخيرة إلى أن النظام الدولي يشهد تراجعًا ملموسًا في فاعلية القيود التقليدية التي حكمت سلوك القوى الكبرى منذ نهاية الحرب الباردة. ويُلاحظ أن مركز الثقل في عملية اتخاذ القرار داخل الولايات المتحدة لا يتمثل فقط في المؤسسات الدستورية الرسمية، بل في تفاعل معقد بين الرئاسة وشبكة مصالح عميقة تضم قطاعات عسكرية وصناعية ومالية وتقنية، تتحرك وفق منطق استراتيجي طويل المدى يتجاوز الدورات الانتخابية.
في هذا السياق، يُفهم الرئيس الأمريكي بوصفه فاعلًا تنفيذيًا يتمتع بهامش مناورة واسع، لكنه في الوقت ذاته خاضع لاختبار النتائج. فالنجاح يُستثمر ويُحتضن، أما الإخفاق فيُحمَّل للرئيس وحده بوصفه مسؤولية شخصية.
تمثل أحداث 3 يناير 2026 في فنزويلا سابقةً ذات دلالة عملياتية، حيث جرى التعامل مع دولة ذات سيادة خارج أطر الصراع التقليدي، وبوسائل لا ترقى إلى إعلان حرب شاملة، لكنها تتجاوز بوضوح أدوات الضغط الدبلوماسي أو الاقتصادي المعتادة.
يمكن توصيف هذا النمط بوصفه عملية محدودة الأهداف ومنخفضة الكلفة السياسية المباشرة ومرتفعة الأثر الرمزي والاستراتيجي. ويُستفاد من هذه العملية كنموذج اختبار لمدى قدرة هذا الأسلوب على تحقيق نتائج دون استدعاء ردود فعل دولية حاسمة.
تُظهر المؤشرات أن العقيدة العسكرية الأمريكية شهدت تحويرًا وظيفيًا لمفاهيم كلاسيكية، وعلى رأسها مبدأ الحرب الخاطفة (Blitzkrieg)، حيث لم يعد التطبيق مقتصرًا على ساحات القتال المفتوحة، بل جرى نقله إلى مستوى استهداف مراكز القرار السياسي والسيادي. فالهدف من هذا التحوير هو شلّ الدولة المستهدفة دون الانخراط في حرب تقليدية واختصار الزمن وتقليل كلفة الاحتلال المباشر وتحويل الدولة إلى أصل استراتيجي قابل للتوظيف.
تكتسب غرينلاند أهمية متزايدة ضمن هذا الإطار للأسباب التالية:

  1. المعادن النادرة: تمثل غرينلاند أحد الاحتياطيات المستقبلية المهمة للمعادن النادرة، وهي عنصر حاسم في الصناعات العسكرية والتكنولوجية المتقدمة.
  2. الموقع الجيوسياسي: تشكل نقطة ارتكاز في القطب الشمالي، مع ما يترتب على ذلك من التحكم في مسارات الشحن المستقبلية ومراقبة التوازنات الروسية–الصينية وتقديم خدمات استراتيجية لدول حليفة أو منافسة
  3. محدودية الردع الذاتي: ضعف القدرة الدفاعية المستقلة يجعل الإقليم عرضة لأشكال متعددة من الضغط غير العسكري المباشر.
    من المرجح أن أي تحرك أمريكي محتمل تجاه غرينلاند لن يتخذ شكل احتلال عسكري تقليدي، بل مسارًا تراكميًا يشمل ضغوطًا اقتصادية وتطويقًا استثماريًا وفرض وقائع استراتيجية طويلة الأمد.
    إن مسألة “متى يحين دور غرينلاند” لا تُحسم بمعزل عن نتائج النموذج الفنزويلي.
    ففي حال ثبت أن العمليات منخفضة الكلفة السياسية تحقق أهدافها دون ردع دولي فعّال، فإن توسيع نطاق التطبيق ليشمل مسارح أخرى يصبح خيارًا مرجحًا.
    في المقابل، فإن أي تعقيد غير محسوب أو ارتدادات استراتيجية سلبية قد تدفع إلى تأجيل هذا المسار، أو إعادة صياغته بأساليب أقل وضوحًا وأكثر تدرجًا.
    تُظهر المؤشرات أن غرينلاند تقع ضمن دائرة الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي، ليس بوصفها هدفًا آنيًا، بل أصلًا استراتيجيًا مؤجل التفعيل، يرتبط توقيت التعامل معه بمدى نجاح أو تعثر التجارب الجارية في مسارح أخرى.

أضف تعليق