
لا يكاد ينقضي يوم من دون أن يخرجَ علينا فيه الرئيس الأمريكي الحالي ترمب بقرارٍ يذكرنا بحقيقةِ العالَم الذي قُدِّرَ لنا أن نُمتحَنَ بوقائعِه وأحداثِه. فالمتتبع لتصريحاتِ ترمب، وما يتحول منها إلى قراراتٍ تنفيذية، لابد وأن يعجبَ لهذا الصمت العالَمي الذي تقودُ فرقتَه السمفونية الأممُ المتحدة وباقي التشكيلات والتكتلات الدولية. فما الذي جعل الأمورَ على هذا القدر من التعارض مع الشرعةِ الدولية، ومع كلِّ ما تواضعت عليه دولُ العالَمِ الحر بعد زوال الخطر الذي كان يتهددها ممثلاً بالتوسع النازي؟ وكيف فاتَ هذه الدول، كما فات غيرها، أنَّ هذا الذي شرع بالحدوث منذ اليوم الأول للرئيس ترمب في البيت الأبيض، بعد عودته المظفرة إليه، هو نسجٌ على ذات المنوال الذي سبقه إليه أدولف هتلر منذ أن وضع مقاربتَه لمجال ألمانيا الحيوي موضعَ التنفيذ؟ فالرئيس ترمب لم يعد يكتفي بإطلاق التصريحات المخالفة لكلِّ ما هو مألوف ومتعارَف عليه ومعمول به في العلاقات بين الدول، مذ تبيَّن له، وعبر تقنياتٍ في جَس النبض ومراقبةٍ دقيقةٍ لردود الأفعال، أنَّه قد خُلِّيَ بينه وبين ما يريد، وبما يوجبُ عليه أن ينتهزَ هذه الفرصة لإحكامِ قبضتِه على كلِّ تلك “الأصول” Assets التي وضع عينَه عليها منذ زمانٍ بعيد. ولذلك فلم تكن إلا مسألة وقتٍ فحسب قبل أن يفاجأنا الرئيس ترمب بـ “عمليةِ فنزويلا”، والتي أعقبها بتصريحاتٍ أعلن فيها عزمَه على القيامِ بعملياتٍ على غرارِها في كولومبيا وكوبا والمكسيك وغرينلاند!
فكيف وصلت الأمور بالعالَم إلى كلِّ هذا الذل والخنوع والقبول بكلِّ ما يُمليه شخصٌ يُفترَض به أنه يمثل أمةً وكياناً اتحادياً مكوناً من خمسين دولة؟ وهل هذه هي الديمقراطية التي بذل آلافُ الجنود الأمريكيين حياتَهم من أجلِها؟ وأي حجةٍ أبقاها الرئيس ترمب لنا حتى نصفَ دولاً مثلاً كوريا الشمالية بأنها “مارقة” Rogue State؟
إنَّ القبولَ الضمني للسوادِ الأعظم من سكانِ العالَم بكلِّ ما يفعله الرئيس ترمب، خوفاً أو لا مبالاة، لن ينجمَ عنه إلا قيامُه بقضمِ المزيد والمزيد من مفاصلِ القوة الاقتصادية والاستراتيجية لهذه الدولة أو تلك، حتى لا يطولَ بنا الزمان قبل أن ننظرَ حولنا فنرى أنه لم يتبقَ في العالَمِ إلا تلك الدول التي سبق وأن أدركَ قادتُها منذ زمانٍ بعيد أنَّ الخيرَ، كلَّ الخير، هو في أن يفعلوا كلَّ ما في وسعِهم للتزود بأسبابِ القوةِ والمَنَعة، وبما يكفلُ لهم ذراعاً استراتيجيةً رادعة توقِفُ ترمب وأمثالَه موضعاً يتحتم عليهم ألا يبارحوه. فكلُّ ما اشتملت عليه مجلداتُ القانونِ الدولي أصبحت في زمن الرئيس ترمب لا تساوي الورقَ الذي سُطِرت عليه والحبرَ الذي خُطَّت به.
إنَّ مصداقيةَ العالَم، ومشروعيةَ كلِّ ما قام به أجدادُنا في الحربِ العالميةِ الثانية، قد أصبحت على المحك، الأمر الذي يحتِّم علينا وجوبَ أن ندركَ الطبيعةَ الحقيقية لعالَمِنا القائم، شئنا أم أبينا، على منطقِ القوةِ الباطشة، فنضم أصواتِنا إلى أصواتِ الذين يدعون إلى قيامِ عالَمٍ جديد متعددِ الأقطاب تسودُه قيمُ الحقِّ والعدل والفضيلة، وبما لا يسمح لطاغيةٍ مثل الرئيس ترمب أن يفعلَ ما يشاء، كيفما يشاء، ووقتما يشاء.
