”الربيع العالَمي”… من تصدير الفوضى إلى تعميم عدم الاستقرار

تشير التجربة التاريخية الحديثة إلى أن السياسات التي تُبرَّر بخطاب “تحرير الشعوب” أو “تصحيح المسارات السياسية” غالبًا ما تفضي، في خواتيمها، إلى نتائج معاكسة تمامًا للأهداف المعلنة. فبدل الاستقرار تنتج موجات ممتدة من الفوضى، وبدل بناء الدول تتآكل البنى الوطنية، ويُعاد تشكيل الجغرافيا السياسية على أسس هشة. وفي هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته بـ «الربيع العالَمي» بوصفه امتدادًا معولمًا لنمط التدخل غير المنضبط الذي أثبت فشله سابقًا في الإقليم العربي.
إن التحليل الاستراتيجي الرصين لا ينطلق من النوايا المعلنة، بل من النتائج المتحققة. وقد أتاح مرور الزمن تقييمًا شبه نهائي لما عُرف بـ “الربيع العربي”، حيث كشفت المآلات عن انهيار مؤسسات الدولة في أكثر من ساحة وتفكك النسيج الاجتماعي وصعود فواعل غير دولية عابرة للحدود وتحوّل الفوضى إلى بيئة جاذبة للتدخلات الخارجية. هذه النتائج لم تكن استثناءات ظرفية، بل نمطًا متكررًا، ما يستدعي الحذر من إعادة إنتاجه على نطاق أوسع.
أن ما تشهده الساحة الدولية اليوم يوحي بأن منطق التدخل ذاته يُعاد تفعيله، لكن هذه المرة خارج المجال العربي، وتحديدًا منذ بدء إدارة دونالد ترمب باعتماد سياسات تقوم على إضعاف الشرعية السياسية القائمة وتشجيع قوى داخلية على تحدي أنظمتها بدعم خارجي محتمل وتقديم التدخل بوصفه أداة “حل” لا عامل تفجير. وما جرى في فنزويلا يمثل نموذجًا أوليًا لهذا التحول، لا من حيث خصوصية الحالة، بل من حيث الرسالة الضمنية التي تبعثها مفادها أن من ممكن لأي أزمة داخلية أن تتحول إلى بوابة تدخل، إذا ما توفرت البيئة السياسية والإعلامية المناسبة.
إن الخطر الاستراتيجي الحقيقي لا يكمن في ساحة واحدة، بل في قابلية النموذج للانتقال. فعندما تُشرعن الفوضى كوسيلة ضغط أو تغيير، فإنها تُغري قوى داخلية في دول أخرى بتكرار السيناريو وتُضعف مفهوم السيادة الوطنية وتخلق توقعًا دائمًا بتدخل خارجي عند كل أزمة. وبذلك تتحول الفوضى من أداة استثنائية إلى سلوك مُعدٍ، يعيد تشكيل العلاقات الدولية على أساس عدم الاستقرار الدائم. وعلى خلاف القراءة التي تختزل الظاهرة في شخصيات سياسية بعينها، يُظهر التحليل الأعمق أن المشكلة بنيوية، تتعلق بمنطق القوة حين يُفلت من الضوابط الاستراتيجية والأخلاقية معًا. فالتجارب السابقة، سواء في عهد باراك أوباما أو في المرحلة اللاحقة، تشير إلى نمط متكرر في التدخل سريع والتصور المبسّط للمجتمعات وغياب رؤية لما بعد إسقاط التوازن القائم. فتكون النتيجة فراغ استراتيجي تملؤه الفوضى.
إن التداعيات المحتملة في حال استمرار هذا النهج، يمكن توقّعها في تصاعد موجات عدم الاستقرار خارج الأطر الإقليمية التقليدية وتآكل الثقة في النظام الدولي وانتقال من عالم الأزمات المحدودة إلى عالم الأزمات المتزامنة. وهو سيناريو لا يخدم حتى القوى التي تبادر بإشعاله، نظرًا لاستحالة احتواء نتائجه على المدى المتوسط والبعيد.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن ما بالإمكان تسميته بـ “الربيع العالَمي” ليس مشروع تغيير، بل آلية تفكيك. وتجربة العقد الماضي تكفي للقول إن تصدير الفوضى، مهما تغيّر خطابه، ينتهي دائمًا إلى النتيجة ذاتها: عالم أقل استقرارًا وأكثر هشاشة وأشد قابلية للانفجار.

أضف تعليق