
إن الزعم بأن حضارة مصر هي نتاج “عرق عبقري” واحد (سواء كان أبيضاً أم أسوداً) هو زعم يسقط أمام الحقائق التاريخية والجينية. فمصر، بفضل قوتها واستقرارها، كانت “مغناطيساً بشرياً” اجتذب عناصر أفريقية من الجنوب، وذلك عبر النيل والتجارة والتداخل مع الممالك النوبية وعناصر سامية من الشرق وذلك عبر سيناء ومنطقة الشام وعناصر ليبية من الغرب والذين اندمجوا في النسيج العسكري والسياسي ووصلوا لعرش مصر (الأسرة 22) وعناصر متوسطية وذلك عبر البحر الذي لم يكن حاجزاً بل جسراً. فالهوية المصرية لم تكن “بايولوجية” مغلقة، بل كانت “هوية ثقافية استيعابية”. فكل من دخل مصر، تحول بمرور الوقت إلى “مصري” في ملبسه ولغته وعقيدته، وهو ما ينزع الحجة من يد كل من يحاول “خصخصة” هذه الحضارة لعرق بعينه.
الحتمية الجغرافية: عبقرية المكان لا عظمة “الدماء”
بدلاً من الركون إلى تفوق “عرقي” وهمي، تبرز الجغرافيا كصانع حقيقي للحضارة. فما جعل مصر تتفوق ليس “جينات” خاصة، بل المعادلة الجغرافية الفريدة:
• النيل كعصب حياة: لم يوفر الماء فحسب، بل فرض نظاماً اجتماعياً صارماً للري مما خلق أول “دولة مركزية” في التاريخ.
• سلة الغذاء والاستقرار: إن استقرار المحاصيل سمح بوجود “طبقة المبدعين”. فالعبقرية المصرية هي “عبقرية التفرغ”؛ فحين كان العالم يطارد طعامه ليبقى حياً، كان المصري القديم، بفضل فائض الإنتاج، يتفرغ لمراقبة النجوم وتطوير الهندسة وتدوين الفلسفة.
تفكيك الأداة الاستعمارية: “الاستشراق والتقسيم العرقي”
الاستعمار الأوروبي، ومن خلفه علم الآثار التقليدي، وقع في فخ “العنصرية العلمية”. فلقد حاولوا لقرون إقناعنا بأن المصريين القدماء كانوا “غزاة بيض” أتوا من مكان ما لينشئوا الحضارة وسط بيئة أفريقية، وذلك لتبرير هيمنتهم هم على المنطقة. في المقابل، تأتي بعض تيارات “الآفرو سنترية” لتقع في ذات الفخ الاستعماري عبر تبني “عنصرية مضادة” تحاول صبغ الحضارة بلون واحد، متجاهلة أن قوة مصر كانت في تنوعها الجيني والسكاني.
“إن محاولة نسبة الحضارة المصرية لعرق واحد هي محاولة لسجن المحيط في زجاجة. مصر كانت دائماً هي الدولة التي تصهر الأعراق لتعيد صياغتها كإنسان مصري، ينتمي للأرض والنيل أكثر مما ينتمي للقبيلة أو اللون.”
مصر “هبة النيل” و”هبة المصريين”
إذا كان هيرودوتس قد قال “مصر هبة النيل”، فإن التاريخ يصححها لتكون: “مصر هبة النيل والجهد البشري المتنوع لأهلها”.
• التكافل الحضاري: المصريون لم يرفضوا الوافد، بل “مَصَّرُوه”.
• الرد على دعاوى التفوق: لا يوجد عرق “متفوق” بذاته، بل هناك “ظرف تاريخي وجغرافي” يسمح لمجموعة بشرية متنوعة بأن تبدع. والاعتراف بهذا التنوع هو أكبر صفعة لوجه الإيديولوجيات التي تستخدم التاريخ لتغذية الكراهية العرقية.
