
لم يعد ممكنًا، بعد اليوم، الاستمرار في التعاطي مع النظام الدولي بوصفه نظامًا أخلاقيًا أو قانونيًا تحكمه مبادئ العدالة، أو تضبطه شرعةٌ دوليةٌ تملك من أدوات الردع ما يكفل صون سيادة الدول وحماية الشعوب من العدوان. إن ما نشهده اليوم ليس انحرافًا طارئًا، ولا خللًا عابرًا في تطبيق القواعد، بل انكشافًا نهائيًا لبنية هذا النظام كما هي في جوهرها.
إن صعود الرئيس الأمريكي الحالي، وما رافقه من قرارات وتصريحات وإجراءات تنفيذية، لم يكن سوى اللحظة التي سقطت فيها الأقنعة، وتعرّت فيها الامبريالية الأمريكية من زخارفها الليبرالية، لتظهر في أقصى تجلياتها: قوةٌ لا تعترف إلا بمنطق الغلبة، ولا ترى في العالم سوى مخزونٍ من الأصول القابلة للاستحواذ.
لقد أثبتت الوقائع أن ما يسمى بالمجتمع الدولي ليس إلا مسرحًا صامتًا، تقوده الأمم المتحدة كواجهة تنظيمية عاجزة، تؤدي دور الشاهد لا الحكم، والموثِّق لا الرادع. أما القوانين الدولية، فقد تبيّن أنها لا تُستدعَى إلا حين تخدم مصالح الأقوياء، وتُلقى جانبًا متى تعارضت مع نزواتهم الاستراتيجية.
إن ما سُمِّي بـ”عملية فنزويلا”، وما تلاها من تهديدات صريحة طالت دولًا ذات سيادة في أمريكا اللاتينية وخارجها، لم يكن حدثًا استثنائيًا، بل تطبيقًا عمليًا لعقيدة سياسية ترى في العالم مجالًا حيويًا مفتوحًا، لا يختلف في جوهره، من حيث المنطق الوظيفي، عن كل المشاريع التوسعية التي عرفها التاريخ، وإن اختلفت لغتها وأدوات تبريرها.
لقد سقط الادعاء القائل إن الديمقراطية الليبرالية تمثل قيدًا أخلاقيًا على القوة، وسقط معه وهم “الدولة المسؤولة” التي تُحاسَب أمام القانون الدولي. وأصبح من العبث، بعد اليوم، الاستمرار في توصيف دول بعينها بأنها “دول مارقة”، في عالم باتت فيه الممارسات المارقة تصدر من قلب المنظومة التي نصّبت نفسها حارسًا للنظام العالمي.
إن الصمت العالمي، سواء أكان ناتجًا عن الخوف أو اللامبالاة أو التواطؤ، لا يمكن إلا أن يُقرأ بوصفه تفويضًا غير معلن لمزيد من القضم المنهجي لمفاصل القوة الاقتصادية والاستراتيجية للدول الأضعف. وهذا التفويض، مهما بدا مريحًا في لحظته، لن يؤدي إلا إلى عالم أشد اختلالًا، وأكثر عدوانية، وأقل قابلية للحياة المشتركة.
من هنا، فإن الدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب لم تعد ترفًا فكريًا ولا شعارًا أيديولوجيًا، بل ضرورة وجودية تفرضها سنن التاريخ ومنطق البقاء. عالم لا تُحتكر فيه القوة، ولا تُختزل فيه الشرعية في إرادة دولة واحدة أو شخص واحد، عالم تُعاد فيه صياغة العلاقات الدولية على أساس التوازن، لا الهيمنة، وعلى الردع المتبادل، لا الإملاء الأحادي.
إن هذه المقالة لا تدعو إلى الفوضى، بل إلى الاعتراف بالحقيقة:
أن النظام الدولي القائم قد أفلس أخلاقيًا وبنيويًا، وأن إعادة تأسيسه لن تكون ممكنة ما لم يُنزَع عنه وهم القداسة، ويُعاد إخضاعه للمساءلة، وتُكسر أحادية القوة التي حوّلته إلى أداة طغيان.
فالعالم، كما هو اليوم، لا يُدار بالحق، بل بالقوة. وما لم تُوزَّع هذه القوة وتُضبط وتُقابل بقوةٍ مضادةٍ رادعة، فلن يكون ثمة نظام دولي، بل حلبة مُجالدين دولية بواجهة قانونية.
