
إن معركة التحرر من الاستعمار لم تنتهِ برحيل الجيوش، بل انتقلت إلى ميادين أكثر عمقاً وخطورة: العقل واللغة. ما نواجهه اليوم هو “استعمار ثقافي لغوي” يسعى لتكريس التبعية الذهنية، مما يجعل الدعوة إلى إيلاء الاهتمام المؤسسي والفردي باللغة العربية ليست مجرد حنين تراثي، بل هي ضرورة وجودية لاسترجاع لساننا وعقلنا المستلب. إننا بحاجة إلى تحويل العربية من لغة تُقرأ في بطون الكتب القديمة إلى “منصة فكرية” نابضة بالحياة، تستوعب الفلسفة والعلوم والابتكار.
تتجلى هذه الرؤية بوضوح عند مقاربتها بمنظور اثنين من أهم رواد فكر ما بعد الاستعمار: نغوجي وا ثيونغو وإدوارد سعيد.
يرى الكاتب الكيني نغوجي وا ثيونغو أن اللغة هي “حاملة الثقافة” ومستودع الذاكرة. وحين نُجبر على التفكير بلغة المستعمر، فإننا نرى أنفسنا “من الخارج” وبعيون الآخر. إن دعوته لـ “إلغاء استعمار العقل” تتطابق تماماً مع ضرورة الارتقاء بالقدرة التعبيرية للعربية؛ فحين تعجز اللغة عن استيعاب العلوم والآداب المعاصرة، يهرع العقل تلقائياً نحو لغة المستعمر، وهنا تكتمل عملية “الاستلاب”. إن العودة للكتابة والتفكير بالعربية بوعيٍ ثوري هي السبيل الوحيد لكسر هذه التبعية واسترجاع الهوية الذاتية.
وبينما ركز وا ثيونغو على “أداة التعبير”، ركز إدوارد سعيد على “المنصة الفكرية”. ففي نقده للاستشراق، كشف سعيد كيف خلق الغرب نظاماً معرفياً يصور الشرق ككيان ساكن يحتاج دائماً لمن يشرحه. إن “اقتحام المجالات المعرفية الجديدة” بالعربية هو الرد الأمثل على هذا النهج؛ فعندما يكتب “التابع” فلسفته وتاريخه وعلومه بلسانه، فإنه يكسر الاحتكار المعرفي الغربي، ويحول العربية من لغة “تراثية” إلى لغة “مستقبلية” قادرة على إنتاج المعنى لا مجرد استهلاكه.
إن استثمار “عبقرية اللغة العربية” يتطلب استراتيجية واضحة تقوم على ثلاث ركائز:
1. اللغة كمنصة إبداع لا ترجمة: التحدي الحقيقي يكمن في “التفلسف بالعربية”، أي استخدام اشتقاقات اللغة ومرونتها لإنتاج مفاهيم نابعة من بيئتنا الحضارية، بدلاً من الاكتفاء بنقل مفاهيم الغرب حرفياً.
2. كسر “فوبيا” العلم: إن تبسيط وشرح الطروحات العلمية المعمقة بالعربية هو فعل مقاومة بامتياز، يعيد للعربية دورها كمركز إشعاع علمي ويجعل المعرفة مشاعاً شعبياً.
3. تكامل الجهد المؤسسي والفردي: الاستعمار اللغوي مدعوم بمؤسسات ضخمة، والرد عليه يتطلب “مؤسسية مقابلة” تشمل مجامع لغوية فاعلة وحركة نشر قوية، يوازيها وعي فردي يعتز باللسان العربي في الفضاء الرقمي والحياة اليومية.
إن اللغة العربية بامتلاكها أدوات الاشتقاق والمجاز والنحت، تمتلك قدرة فائقة على توليد مصطلحات تضاهي، بل وتتفوق على اللغات العالمية. كل ما نحتاجه هو “الإرادة الفكرية” لاقتحام المجهول واستعادة عقولنا بلساننا العبقري.
