الكرسي والعرش… جدليةُ وجودِ اللهِ وتواجدِه

للهِ كرسيٌّ وعرشٌ، كما جاءنا بذلك قرآنُ الله العظيم: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (من 255 البقرة)، (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (من 4 السجدة). فهل عرشُ اللهِ هو كرسيُّه، أم أنَّ لكلٍّ منهما معنى هو غيرُ المعنى الذي ينطوي عليه الآخر؟
يكفلُ لنا تدبُّرُ مواضعِ ورود كلمة العرش وكلمةِ الكرسي في القرآنِ العظيم أن نتبيَّنَ تمايزاً في المعنى بين هاتين الكلمتين. فكرسيُّ الله الواردُ ذِكرُه في آيةِ الكرسي أعلاه لا يمكن أن يكونَ هو عرشُ الله الواردُ ذِكرُه في آياتِ العرش. فكرسي الله وسعَ سمواتِه وأرضَه، وعرشُ الله هو خارجُ سمواتِ الله وأرضِه. وهذه حقيقةٌ تكشفُ لنا النقابَ عن علاقةٍ جدليةٍ بين كرسي الله وعرشِه. فكرسيُّ الله “متواجدٌ” في السمواتِ والأرض، وبكيفيةٍ تكفل له انتشاراً في عمومِ أرجاءِ السموات وجميعِ أصقاعِ الأرض.
أما عرشُ الله، فهو “موجودٌ” وحده، خارجَ السمواتِ والأرض، ممتدٌّ إلى ما لا نهاية. فكرسيُّ الله “متواجدٌ” في عالَمٍ تحكمُه الأسبابُ التي سبق وأن بثَّها اللهُ فيه يومَ خلقَ سمواتِه وأرضَه، بينما عرشُ الله “موجود” في عالَمٍ لا قدرةَ لأيِّ أسبابٍ على أن تتواجدَ فيه؛ فهو عالَمٌ يحكمُه اللهُ تعالى مباشرةً بـ “كن فيكون”. وهذا الفرق بين “الوجود” و”التواجد” هو خصيصةٌ من خصائصِ اللسانِ العربي المبين الذي يكون الشيءُ بمقتضاه “متواجداً” حيث تكون هنالك أشياءٌ أخرى معه. أما “الوجود” فلا قدرةَ لمخلوقٍ على أن يمتازَ به، وذلك طالما لم يكن للشيءِ إلا أن يكونَ “متواجداً”، طالما استحال على أيِّ شيءٍ أن يكونَ في معزلٍ عن غيرِه من الأشياء صغرت أم كبرت. فـ “الوجود” إذاً هو صفةٌ يمتازُ بها من لا قدرةَ لشيءٍ على أن يتواجدَ معه، وهو اللهُ تعالى، ولذلك وردَ في الأثرِ الصوفي وِردٌ نصُّه “لا موجود إلا الله”. ولذلك لم يرد لكرسي الله تعالى في القرآنِ ذكرٌ إلا مرةً واحدة، بينما ذُكِرَ عرشُ الله في القرآن 21 مرة.
إنَّ هذا الفرقَ الدقيق بين عرشِ اللهِ وكرسيِّه لَيذكِّرنا بفرقٍ آخر بين الأسبابِ و”كن فيكون”. فعالَمُ الكرسي هو عالَمُ الأسباب، وعالَمُ العرش هو عالَمُ “كن فيكون”.

أضف تعليق