
نقرأُ في سورةِ الروم، وفي الآيةِ الكريمة 27 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) (من 27 الروم). فما هو معنى “وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ”؟
يتكفلُ بتبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نتدبَّرَ الآياتِ الكريمةَ التالية:
1- (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا. قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا. قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) (7- 9 مريم).
2- (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا. قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا. قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) (19- 21 مريم).
فالقاسمُ المشترك بين خَلقِ النبي يحيى، والسيد المسيح، هو هذا التدخل الإلهي المباشر بقولِ اللهِ تعالى لكلٍّ منهما: “كن فيكون”. فالمتدبرُ في تباينِ هذا النمطِ من الخَلق عن الخَلق المسبَّبِ بالقوانينِ ذاتِ الصلة، التي بثَّها اللهُ تعالى في هذا الوجود، لابد وأن يخلصَ إلى أنه خَلقٌ لا يقتضي زماناً على الإطلاق؛ فهو خَلقٌ آني لَحَظي متحققٌ بتدخلٍ مباشر من لدن اللهِ تعالى. وهذا التدخل الإلهي المباشر بـ “كن فيكون” هو الذي يجعلُه “هيِّناً”، وذلك لانتفاءِ وجودِ الأسبابِ التي اقتضى أمرُ تشكُّلِها وصياغتِها، حتى انتهت إلى ما أضحت عليه خاتمةَ الأمر، ملايين السنين. فشتان بين خَلقٍ آني لَحَظي، وخلقٍ ما كان له أن يتحققَ، وفقاً لهذه الآلية السبَبية، لولا هذه الملايين من السنين.
وهذا هو عينُ ما يخبرنا القرآنُ بأنه حادثٌ يومَ القيامة، حين يأمرُ اللهُ تعالى بخلقٍ جديد لا يقتضي توافرَ أيَّ أسباب، طالما كان حدوثُه متحققاً بـ “كن فيكون”: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ).
