
لا يتحرك التاريخ دائماً في خطوط مستقيمة، بل غالباً ما تجري وقائعه على إيقاع “المتزامنات” (Synchronicities)؛ تلك اللحظات التي تقع فيها أحداث متباعدة جغرافياً لكنها تتحد في توقيتها لتخلق انعطافة كبرى في المسار البشري. إن تزامن اكتشاف نفط فنزويلا مع شرارة الحرب العالمية الأولى ليس إلا نموذجاً لنمط تاريخي متكرر.
١. عام ١٤٥٣: سقوط القلاع وولادة “المطبعة”
في الوقت الذي كانت فيه أسوار القسطنطينية تتهاوى أمام مدافع السلطان محمد الفاتح، معلنةً نهاية العصور الوسطى، كان يوهان غوتنبرغ في ألمانيا يضع اللمسات الأخيرة على آلة الطباعة. فسقوط “مركز الحقيقة” القديم (الإمبراطورية البيزنطية) تزامن مع ولادة “وسيلة نشر الحقيقة” الجديدة؛ الأمر الذي تجلى في هجرة العلماء البيزنطيين إلى إيطاليا مع كتبهم، بالتوازي مع قدرة المطبعة على نشر تلك العلوم، فجر عصر النهضة.
٢. عام ١٨٤٨: “ربيع الشعوب الأوروبية” وبيان “ماركس”
شهد هذا العام ثورات متزامنة ضربت فرنسا وإيطاليا وألمانيا والنمسا. وفي فبراير من العام نفسه، نُشر “البيان الشيوعي” في لندن. فالانفجار الجماهيري في الشارع تزامن مع ولادة “النص الفلسفي” الذي سيحكم تلك الجماهير فيما تبقى من القرن التاسع عشر، كما سيحكم السواد الأعظم من جماهير القرن العشرين. فالثورات لم تعد مجرد احتجاجات عفوية، بل أصبحت حركات مؤدلجة تبحث عن تغيير هيكلي في بنية السلطة والإنتاج.
٣. عام ١٩٤٥: القنبلة الذرية وميثاق الأمم المتحدة
بينما كان العالم يشهد أقصى درجات التوحش البشري في هيروشيما وناغازاكي، كانت الوفود تجتمع في سان فرانسيسكو لتوقيع ميثاق الأمم المتحدة؛ فلحظة بلوغ القدرة على التدمير الشامل تزامنت مع أقصى محاولة مؤسسية لبناء سلام دائم.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن التاريخ يضع “الداء والدواء” في كفة واحدة؛ فكلما زادت مخاطر الفناء (كما نرى اليوم في التوتر النووي الروسي-الأطلسي)، نجد في المقابل تحركات نحو صياغة نظام عالمي متعدد الأقطاب يحاول كبح هذا الجموح.
