تفكيك الاستعمار اللغوي.. نحو استرجاع أمضى اسلحتنا: عقولنا وألسنتنا

إن الاستعمار في صورته الأشد فتكاً لا يحتل الأرض، بل يحتل “المعنى”. فالاستعمار اللغوي هو عملية “استلاب وجودي” تجعل الذات العربية ترى العالم بعيون الآخر، وتفكر فيه بأدواته، مما يؤدي إلى قطيعة معرفية مع مخزونها الحضاري.
تبدأ المقاربة الجديدة من رفض النظر للغة العربية كـ “وعاء” للمؤثرات الماضوية فحسب؛ إذ أنها منصة إبداعية قادرة على استيعاب الفلسفة والعلوم الحديثة. فلقد نجح الاستعمار اللغوي عندما أقنعنا بأن العربية لغة “شعر ووجدان” بينما اللغات الغربية هي لغات “عقل وتقنية”. يتوجب علينا أن نكسر هذه الثنائية المصطنعة عبر “اجتياح” المجالات المعرفية الجديدة بمفردات عربية أصيلة ومولدة، تعيد صياغة المفاهيم العلمية بلساننا.
إن الرد على الاستعمار الثقافي لا يكون بالانغلاق، بل بالارتقاء بالقدرة التعبيرية للغة. فعلى المبدع العربي (فيلسوفاً كان أو عالماً) أن يصبح منتجاً للمعرفة بلغته الأم، لا مترجماً عنها فحسب. كما وينبغي أن توجد سيادة لغوية في التعليم والبحث العلمي، تجعل من العربية “اللغة الرسمية للتفكير” لا “للخطابة” فحسب.
فنحن عندما نعتمد اللغة العربية كمنصة فكرية لاستعراض الإبداع العربي المعاصر في الفلسفة والفكر، فإننا لا نقوم بعملية “إحياء” بل بعملية “تحرير”. إن “استرجاع العقل” الذي سلبته قرون الاستعمار يمر حتماً عبر “استرجاع اللسان”. فاللغة العبقرية التي صاغت أدق التفاصيل الفلسفية في العصر الوسيط، تملك من “المرونة الاشتقاقية” ما يؤهلها لتكون لغة “الذكاء الاصطناعي” و”فيزياء الكوانتم” وأكثر تجليات الفلسفات المعاصرة تعقيداً.
إن الرد على الاستعمار اللغوي ليس معركة دفاعية، بل هو هجوم إبداعي. إنه “استيطان” لمساحات المعرفة الجديدة بلغة ترفض أن تكون “ظلاً” للآخر، بل تريد أن تكون “نوراً” يضيء تجربة الإنسان العربي في هذا العالم العاصف المضطرب.

أضف تعليق