
يُقدّم آدم هوتشيلد في كتابه “شبح الملك ليوبولد” تشريحاً مرعباً لواحدة من أبشع جرائم الاستعمار الحديث في “دولة الكونغو الحرة”. ورغم أن الكتاب يغوص في تفاصيل الاستغلال المادي ونظام السخرة، إلا أن قراءته من منظور “المواجهة الثقافية واللغوية” تمنحه أبعاداً تتجاوز السرد التاريخي، لتجعله درساً في كيفية تحرر العقل من إرث المستعمر الذي لم يكتفِ بنهب الأرض، بل سعى لتصميم وعينا وتاريخنا بلسانه هو.
يركز هوتشيلد على أن ليوبولد الثاني لم يقتحم الكونغو تحت راية الغزو العسكري الصريح، بل تحت غطاء “اللجنة الدولية الأفريقية” بزعم نشر المدنية ومحاربة تجارة الرقيق. هذا “الاستلاب” للمفاهيم الإنسانية وتحويلها إلى أدوات قمع هو جوهر الاستعمار الذي نعيش آثاره اليوم؛ إنه الاستعمار الذي لا يكتفي بالسيطرة على الجغرافيا، بل يغزو المصطلحات ويُعيد تعريف “التحضر” و”التقدم” بما يخدم مصالحه.
إن تحويل الكونغو إلى “ملكية خاصة” للملك ليوبولد تحت ستار العمل الخيري يمثل ذروة التزييف الفكري، وهو ما يستوجب منا اليوم يقظة مؤسسية وفردية لإعادة بناء منصاتنا الفكرية بلساننا العربي، لنكشف زيف الادعاءات الاستعمارية المعاصرة التي تتخفى وراء مسميات “الحداثة” و”العولمة”.
يسرد الكتاب كابوس حصص المطاط وعقوبة بتر الأيدي، وهي صورة مادية فجة للتمزق الذي أحدثه الاستعمار البلجيكي. ولكن، بالانتقال إلى المستوى الفكري، نجد أن الاستعمار اللغوي والثقافي قد مارس “بتراً” من نوع آخر؛ وهو قطع صلتنا بعبقرية لغتنا العربية وقدرتها التعبيرية.
إن “استرجاع لساننا وعقلنا” الذي استلبه المستعمر لقرون يبدأ من رفض حصر اللغة العربية في قوالب الماضي، بل الارتقاء بها لتكون لغة الفلسفة والفكر والعلوم الدقيقة. فكما فضح إدموند موريل وروجر كيسمنت جرائم ليوبولد بالكلمة والوثيقة، فإن معركتنا الحقيقية هي جعل اللغة العربية منصة للإبداع المعاصر، قادرة على استيعاب وتفكيك الطروحات العلمية والمعرفية الجديدة دون تهيب أو ارتعاد.
يناقش هوتشيلد كيف أحرق ليوبولد أرشيف الدولة قبل رحيله، محاولاً فرض ستارٍ من النسيان على العالم. هذه العملية تشبه تماماً محاولات الاستعمار الثقافي تهميش اللغة العربية وتصويرها كلغة غير مواكبة للعصر، لإجبارنا على التفكير بلغة “الآخر” ورؤية أنفسنا من خلال عدساته.
إن الرد على هذا “الاستعمار اللغوي” لا يكون بالانكفاء، بل بالهجوم المعرفي؛ عبر إيلاء الاهتمام المؤسسي باللغة العربية كأداة سيادية واستعراض الإبداع العربي في الفلسفة والأدب بلسانٍ واثق لا يستعير مفاهيم المستعمر واقتحام المجالات المعرفية الجديدة بجرأة لغوية، مستعينين بمرونة اللغة العربية واشتقاقاتها العبقرية.
إن كتاب “شبح الملك ليوبولد” يذكرنا بأن الضحية التي تفقد ذاكرتها ولسانها تظل مستعمرة حتى بعد رحيل الجيوش. لذا، فإن مشروعنا في الارتقاء بقدرة اللغة العربية التعبيرية ليس ترفاً لغوياً، بل هو ضرورة وجودية لاسترداد عقلنا المستلب. إن “عبقرية هذه اللغة” هي السلاح الأقوى في معركتنا ضد الاستعمار الثقافي، وهي الجسر الذي سنعبر من خلاله نحو استقلال فكري حقيقي يعيد لنا مكانتنا في صياغة الفكر الإنساني المعاصر.
