
من أبرز ملامح التحويلة التطورية، التي جعلت الإنسانَ على هذه الشاكلةِ التي بتنا نعرفه بها، أزمةٌ جعلته عاجزاً عن تبيُّنِ هويته الحقيقية. ولذلك فليس من المستغرب أن أشيرَ إليها بـ “أزمة الهوية”. فالحيوان، وبسببٍ من إشفاقِه من أن يحملَ الأمانةَ التي توهمَ الإنسانُ أنَّ حملَه لها ليس بالأمرِ العسير، لا يجد صعوبةً في تبيُّنِ هويتِه الحقيقية؛ تلك الهويةُ التي أصبح الإنسانُ، ومن بعد التحويلةِ التطوريةِ الأولى، عاجزاً عن تبيُّنِها، وإلى الحدِّ الذي أصبح معه يتلمس هويتَه هنا وهناك أملاً في العثورِ عليها.
ولعل أبرزَ تجلٍّ لأزمةِ الهويةِ هذه هو ما بالإمكان تسميتُه بـ “متلازمةِ الطباخ الفيلسوف”. فلو كان بإمكانِ الإنسان أن يتبيَّنَ هويتَه الحقيقية لما وجدتَ الغالبيةَ الساحقة من البشر لا تُعجزُهم مشكلةٌ فلسفية ولا وصفةٌ مطبخية!
