المسألة الغرينلاندية وتفكك النظام الغربي… قراءة ميتابايولوجية في الانهيار من الداخل

لعقودٍ طويلة، مثّلت غرينلاند مساحةً جغرافية صامتة في النظام الدولي؛ لا أزمات، لا صراعات، ولا حضور فعلي في الحسابات الكبرى. هذا الصمت لم يكن نابعًا من انعدام القيمة، بل من توازنٍ دولي كان لا يزال قادرًا على كبح شراهة القوة وضبط تمددها ضمن أطر قانونية متفق عليها. غير أن هذا التوازن لم ينهَر بفعل خصومه، بل بفعل المركز نفسه. ومع عودة دونالد ترمب إلى الحكم، تحولت غرينلاند من هامشٍ منسي إلى مسرح اختبار لانهيارٍ بنيوي أعمق: انهيار فكرة النظام الغربي بوصفه منظومة قيم، لا مجرد تحالف قوة. وفي هذا السياق، لم تعد غرينلاند قضية سيادة أو موارد أو موقع استراتيجي فحسب، بل غدت مرآةً لانكشاف البنية النفسية–السياسية للغرب حين تنفلت من ضوابطها.
في القراءة الميتابايولوجية، لا يُنظر إلى ترمب كـ «خلل طارئ» أو «شذوذ ديمقراطي»، بل بوصفه تجليًا صريحًا لما كان كامنًا في البنية الغربية منذ نهاية الحرب الباردة. فالرئيس الذي يتصرف وكأنه رئيس مجلس إدارة للعالم لا يفعل ذلك لأنه تجاوز القواعد، بل لأنه لم يعد يعترف بوجودها أصلًا. فغرينلاند هنا ليست هدفًا بحد ذاتها، بل نقطة عمياء ظنّ المركز الغربي أنها لن تُواجَه بردٍّ حقيقي، فاختبر عبرها حدود طاعة الحلفاء ومدى تماسك حلف شمال الأطلسي وقابلية النظام الدولي للاختزال إلى صفقة.
والآن، كيف ترى روسيا والصين المسألة الغرينلاندية؟
من الخطأ المنهجي قراءة الموقفين الروسي والصيني بوصفهما ردَّي فعل مباشرَين. فكلتاهما تنظران إلى غرينلاند لا كهدف توسعي، بل كأداة تعجيل بالانهيار الغربي من الداخل.
أ. الرؤية الروسية
روسيا ترى في أي تحرك أمريكي أحادي في غرينلاند تهديدًا مباشرًا للتوازن القطبي ومقدمةً لعسكرةٍ إضافية قرب مجالها الحيوي والأهم شرخًا داخل الناتو لا يمكن رأبه بسهولة. لكن موسكو لا تحتاج للتدخل. يكفي أن تراقب واشنطن وهي تضع حلفاءها أمام خيارين أحلاهما مرّ: الطاعة أو التفكك.
ب. الرؤية الصينية
أما الصين، فتنظر إلى غرينلاند من زاوية أوسع: اختبار صدقية النظام الليبرالي ودليل إضافي على أن الغرب لم يعد يحكم بقواعد، بل بردود فعل وفرصة لترسيخ خطاب «تعدد الأقطاب» دون إطلاق رصاصة واحدة
الصين لا تحتاج لغرينلاند نفسها؛ هي تحتاج سقوط المثال الغربي.
تكشف المسألة الغرينلاندية عن حقيقة طال إنكارها مفادها أن الناتو لم يعد تحالفًا متماسكًا، بل بنية هشّة تعتمد على وهم القيادة الأمريكية الرشيدة. فأي غزو لغرينلاند، إن تم، لا يعني صدامًا مع روسيا أو الصين، بل صدامًا مع فكرة التحالف ذاتها؛ إذ كيف يمكن لحلفٍ يُفترض أنه دفاعي أن يبرر عدوانًا على أرضٍ لا تشكل تهديدًا؟ وكيف لحلفاءٍ أوروبيين أن يواصلوا الادعاء بالسيادة وهم يُجرّون إلى مغامرات لا قرار لهم فيها؟ وفي هذا المعنى، تصبح غرينلاند اختبارًا لشرعية الناتو لا لقوته العسكرية.
في الميتابايولوجيا، يُفهم الانهيار بوصفه لحظة تفوّق “الخلل التطوري” على البنية الضابطة. وهذا ما نشهده هنا بدقة: قوة بلا وازع ومركز بلا ضابط ومنظومة فقدت قدرتها على كبح ذاتها. لم تنهَر الإمبراطوريات تاريخيًا لأن أعداءها أسقطوها، بل لأنها عجزت عن إدارة فائض قوتها. وغرينلاند ليست سوى عرض من أعراض هذا العجز.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن المسألة الغرينلاندية ليست سبب تفكك النظام الغربي ولا ذروة صراعه، بل هي علامة تشخيصية تؤكد أن النظام الذي لم يعد يضبط نفسه، لن يستطيع ضبط العالم. فروسيا والصين تدركان ذلك جيدًا، ولهذا لا تتعجلان. فالانهيارات الكبرى لا تحتاج إلى دفع، بل إلى ترك الجسد ينهار حين يعجز عن حمل ذاته.

أضف تعليق