تفكك النظام الغربي… حين تفقد الإمبراطورية قدرتها على الاعتراف بالآخر

لم يكن تفكك النظام الغربي حدثًا مفاجئًا، ولا انحرافًا طارئًا عن مساره المعلن، بل هو نتيجة حتمية لاختلالٍ بنيويٍّ عميقٍ ظلّ يتراكم منذ لحظة انتصار الغرب في الحرب العالمية الثانية. ذلك الانتصار الذي لم يُنتج نظامًا دوليًا متوازنًا، بل دشّن مرحلة هيمنة أحادية أقنعت نفسها، ونجحت طويلًا في إقناع الآخرين، بأنها الوصيّ الأخلاقي على البشرية. غير أنَّ هذه البنية أخذت في التصدع حين عادت الإمبراطورية إلى لغتها الأصلية: لغة الغنيمة. فلقد كشفت السنوات الأخيرة، وبصورة فجّة في عهد الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب، أن الولايات المتحدة لم تكن يومًا ضامنًا لكيان أوروبا السيادي، بل مديرًا لوجودها الوظيفي. لم تتعامل معها كشريك تاريخي متكافئ، بل كمجال نفوذ وسوق وقاعدة أمامية وامتداد جغرافي قابل لإعادة التشكيل متى اقتضت الضرورة.
فغرينلاند، التابعة لمملكة الدنمارك، لم تكن سوى مثال كاشف على منطق الإمبراطورية حين تفقد قدرتها على التمويه. فحين يُختزل إقليم تابع لدولة أوروبية ذات سيادة إلى “فرصة استراتيجية” قابلة للاستحواذ أو الابتلاع، فإن المسألة لا تعود خلافًا سياسيًا، بل إعلانًا صريحًا بأن السيادة الأوروبية نفسها باتت موضع مساومة.
وفي هذا السياق، لم يعد خافيًا أن أمريكا لا تعترف للكيانات بوجودها إلا بقدر ما تؤدي وظيفة داخل منظومتها. من يخرج عن هذه الوظيفة يُعاد تعريفه: حليفًا متمرّدًا أو عبئًا أو غنيمة مؤجلة.
في المقابل، تبرز روسيا بوصفه نموذجًا مغايرًا في التعاطي مع أوروبا، لا من منطلق أخلاقي مثالي، بل من زاوية مختلفة في فهم النظام الدولي. فروسيا، بخلاف الولايات المتحدة، لا تحمل مشروعًا أيديولوجيًا لإعادة تشكيل الإنسان الأوروبي، ولا تُقنِع نفسها بأنها صاحبة رسالة كونية لتصدير القيم؛ فهي تتعامل مع أوروبا ككتلة جيوسياسية ثقيلة، لا كتابع حضاري، ولا كسوق مضمونة. ولهذا السبب تحديدًا، فهي لا تُغري أوروبا بوهم الحماية، بل تفرض عليها معادلة التوازن.
غير أن هذا لا يعني أن روسيا تمنح السيادة بالمجّان؛ لكنها، على الأقل، لا تُفرغها من معناها الرمزي وتحولها إلى سلعة استثمارية تُدار بعقلية الشركات.
هنا يكمن جوهر التفكك الغربي: فحين تتحول الدولة الإمبراطورية إلى شركة عملاقة، يصبح العالم محفظة أصول، وتغدو الدول علامات تجارية، وتُقاس السيادة بقيمتها السوقية لا بوزنها التاريخي. وبهذا المعنى، فإن أوروبا في المنظور الأمريكي المعاصر ليست كيانًا حضاريًا له ذاكرة، بل “أصلًا عقاريًا” مؤجل البيع. وما كان يومًا مشروعًا سياسيًا قائمًا على التحالفات، بات يُدار بعقلية رجل الأعمال الذي لا يرى في الخرائط سوى فرص استحواذ.
إن ما نشهده ليس صراعًا بين أمريكا وروسيا على أوروبا، بل أزمة اعتراف ناتجة عن خلل ميتابايولوجي في بنية الإنسان الغربي المهيمن. فحين تفرغ القوة من الضبط القيمي، وتتحرر من أي قيد أخلاقي أو تاريخي، فإنها لا تعود قادرة على الاعتراف بالآخر كذات، بل كوسيلة.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: من يقرّ لأوروبا بسيادتها؟، بل: هل لا تزال أوروبا قادرة على انتزاع اعترافها بنفسها، قبل أن تُختزل نهائيًا إلى وظيفة داخل منظومة آخذة بالتفكك؟ فالسيادة، في منطق التاريخ والميتـابايولوجيا، لا تُمنح ولا تُباع ولا تُشترى. إنها إمّا أن تُنتزع بفعل الوعي، أو تُفقد حين يُستبدل الوعي بالخضوع.

أضف تعليق