
على المقاربة التفسيرية الصائبة للقرآن العظيم ان تنطلق من الحقيقة النبوية التي مفادها أن “القرآن كتاب لا تنقضي عجائبه”. وهذه “العجائب” ليست مجرد إعجاز غيبي، بل هي طاقة كامنة في النص تسمح له بالانفتاح على العصور والعقول المختلفة. ومن هنا، تبرز ضرورة التحرر من فكرة “التفسير الواحد” أو “المنهج الاحتكاري”، لصالح تعددية قرائية تثري المعنى ولا تنفيه. سأتناول هنا نموذجين فريدين: مشروع محمد عزة دروزة ومشروع مدرسة أمين الخولي.
يرتكز مشروع دروزة في كتابه “التفسير الحديث” على مبدأ الترتيب الزمني (حسب نزول السور)؛ إذ أنه لا يفسر الكلمات فحسب، بل يفسر “حركة النص داخل الواقع”، وذلك كما يلي:
. المنهج: يعتبر دروزة أن الوحي نزل منجماً ليعالج واقعاً بشرياً متطوراً. لذا، فإن فهم القرآن يتطلب فهم “السيرة القرآنية”؛ أي كيف بنى القرآن عقل ووجدان المجتمع الأول خطوة بخطوة.
• القيمة المضافة: يقدم لنا دروزة “التفسير التاريخي” الذي يربط الآية ببيئتها، مما يجعل النص حياً يتحرك في زمان ومكان، وليس مجرد نصوص مجردة.
في المقابل، قدم د. أمين الخولي وتلميذته وزوجته د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) ما يعرف بـ “التفسير البياني”، وذلك كما يلي:
• المنهج: يعتمد هذا المشروع على الاستقراء اللغوي. أي أننا لفهم كلمة “أمة” أو “هوى” في القرآن، يجب أن نجمع كل مواضع ورودها لنصل إلى “القانون البياني” الذي يحكمها.
• التركيز: التركيز هنا ليس على “متى نزلت” (كما عند دروزة)، بل على “كيف قيلت” وما هو الظل النفسي والجمالي واللغوي الذي تلقيه الكلمة داخل النسق القرآني الفريد.
إن الإشكالية التي تقع فيها بعض الدراسات القرآنية هي محاولة المفاضلة بين هذين المشروعين، بينما الحقيقة المعرفية تشير إلى أن النص القرآني “متعدد الأبعاد”.
1. دروزة يمنحنا التحليل “الأفقي”: تتبع الزمن والنمو العضوي للرسالة.
2. بنت الشاطئ تمنحنا التحليل “الرأسي”: العمق اللغوي والدلالي العابر للزمن.
إن الدعوة لانتفاء “المقاربة الوحيدة” ليست دعوة للفوضى، بل هي اعتراف بأن محدودية العقل البشري لا يمكنها الإحاطة بـ مطلقية النص الإلهي بمقاربة منفردة ووحيدة لغوية كانت أم تاريخية. فالتفسير التاريخي يحمينا من “تجريد” النص، والتفسير البياني يقينا من قصر معنى النص القرآني على وقائع الماضي وأحداثه.
إن تضافر هذه المناهج لَيتوافق مع التوصيف النبوي للقرآن بأنه “كتاب لا تنقضي عجائبه”. فالمستقبل يفرض علينا دمج “تاريخية” دروزة مع “بيانية” بنت الشاطئ، وربما إضافتهما إلى “ألسُنية” أركون و “بنيوية” الجابري، لخلق تفسير معاصر يواجه أسئلة الإنسان الوجودية بعمق ومرونة.
