ما معنى “الذِّكرَ” في قولِ اللهِ تعالى “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ”؟

للقرآنِ أسماءٌ عدة، وذلك كما يتبيَّن لكل مَن يتدبر آياتِه. وهذه الأسماء قد سماه اللهُ تعالى بها لحكمةٍ بيَّنتها هذه الآياتُ وفصَّلتها لكل مَن يُحسِن تدبُّرَها في سياقِ ورودِها. فاللهُ تعالى قد أشارَ إلى قرآنِه بـ “الذِّكر”:
1- (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) (58 آل عمران).
2- (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (6 سورة الحِجر).
3- (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (من 44 النحل).
4- (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (41- 42 فُصِّلت).
فـ “الذِّكر” حين يرِد ذكرُه في القرآن بمعنى “القرآن”، إنما هو تشديدٌ على حقيقةِ كونِه كتاباً ما أنزله اللهُ تعالى إلا ليُذكِّرَ الناسَ بما سبق وأن أنزلَه من كتاب. وفي هذا ما فيه من تبيانٍ لحقيقةِ كونِ رسالةِ اللهِ تعالى واحدةً على مرِّ الزمان: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ( (43 فصلت). فكلُّ كتابٍ سبق وأن أنزلَه اللهُ تعالى على أحدٍ من رسُلِه كان هو الآخر ذِكراً:
1- (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (105 الأنبياء).
2- (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) (5 الشعراء).
3- (هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) (من 24 الأنبياء).
فكونُ القرآنِ ذِكراً إذاً هو تأكيدٌ لحقيقتِه الإلهية التي قوامُها هذا التطابق بين كلِّ ما أنزلَه اللهُ على أنبيائه، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمرِ بفحوى مرادِ اللهِ تعالى من عبادِه. فكلُّ كتابٍ أنزلَه اللهُ تعالى على مَن اصطفاه ليكونَ نبياً مُرسَلاً، من بعد أبي البشرِ آدم، كان ذِكراً يذكر الناس بتلك الرسالةِ الأولى، وبما حوته من مرادِ الله من الإنسان على مَرِّ العصور والأزمان. ولذلك كانت صحف إبراهيم ذكراً، وكانت التوراةُ ذِكراً، والزبورُ ذِكراً، والإنجيلَ ذِكراً، كما أنَّ القرآنَ ذِكرٌ. وبذلك يكون معنى “الذِّكْرَ” في قولِ اللهِ تعالى “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” هو القرآن.

أضف تعليق