
لا تمرّ الكيانات الحضارية بلحظات الانكسار فجأة، ولا تفقد هويتها بضربةٍ واحدة، بل تنزلق تدريجياً من موقع الفاعل إلى موقع المفعول به، ومن مقام الذات الواعية إلى حالة الوظيفة التابعة. وفي هذا السياق، تبدو أوروبا اليوم كياناً يبحث عن هويته في عالم لم يعد يعترف بالهويات إلا بقدر ما تُنتج أو تُربِح أو تُؤمِّن.
إن المشهد الأوروبي الراهن لا يمكن فهمه بوصفه نتيجة مباشرة لسياسات أمريكية فحسب، بل بوصفه حصيلة تراكم طويل من التفريط البنيوي بالوعي الذاتي، وهو ما يجعل المقاربة الميتابايولوجية مدخلاً ضرورياً لفهم ما جرى، لا سيما حين تتعرّض الكيانات لضغط هيمنة مستمر يعيد تشكيل بنيتها الداخلية قبل أن يفرض عليها قراراته الخارجية.
ففي منطق الإدارة الأمريكية الحالية، وتحديداً في رؤية دونالد ترمب، لا تظهر أوروبا ككيان سيادي مكتمل، بل كسوق استهلاكية ضخم ومخزون أصول استراتيجية ومساحة استثمارية قابلة لإعادة التوظيف وورقة تفاوضية في صفقات كبرى مع خصوم الأمس وشركاء الضرورة اليوم. هذا المنظور لا يُخفي احتقاراً أخلاقياً بقدر ما يعكس تحولاً جذرياً في فلسفة القوة؛ فالعلاقات لا تُقاس بالقيم، بل بالجدوى ولا تُحفظ بالتحالف، بل بالربح. غير أن السؤال الجوهري ليس لماذا تنظر أمريكا إلى أوروبا بهذه الطريقة؟ بل كيف سمحت أوروبا لنفسها أن تُرى على هذا النحو؟.
من الخطأ المنهجي تحميل الهيمنة الأمريكية وحدها مسؤولية تآكل الوعي الذاتي الأوروبي. فالهيمنة لا تعمل في الفراغ، بل تحتاج إلى قابلية داخلية واستعداد بنيوي للتنازل وإرهاق طويل من حمل عبء القرار. لقد اختارت أوروبا، على مدى عقود، مساراً يبدو عقلانياً على السطح لكنه كارثي في العمق؛ حيث استبدلت السيادة بالحماية والرؤية الاستراتيجية بالاطمئنان الأمني والاستقلال السياسي بالاندماج الوظيفي. وهكذا، لم تُسلب أوروبا وعيها قسراً، بل تنازلت عنه تدريجياً، حتى اعتادت أن تُدار أكثر مما تُقرِّر، وأن تُستشار أكثر مما تُبادِر.
في الميتابايولوجيا، لا يُفهم فقدان الوعي الذاتي بوصفه خطأً أخلاقياً، بل كـ “عارض بنيوي” يصيب الكيانات، كما الأفراد، حين تطول فترة الاعتماد ويغيب التحدي الوجودي ويُستبدل الصراع بالبقاء المريح. فأوروبا هنا تشبه الكائن الذي توقّف عن اختبار نفسه واكتفى بوظائفه الحيوية حتى نسي أنه كان ذاتاً مستقلة يوماً ما، وحين ظهرت قوة مهيمنة تتحدث بلغة فجة وصريحة، لم تُصدم أوروبا من الإهانة، بل من انكشاف الحقيقة: أنها لم تعد تُعامَل كذات، لأنها لم تعد تتصرّف كذات. وفي هذا السياق، يمثل ترمب، لحظة كشف لا لحظة انحراف. فهو لم يخترع منطق “التشييء”، بل نزَع عنه القناع القيمي. فما كان يُدار سابقاً بلغة دبلوماسية ناعمة، بات يُقال اليوم بوضوح فجّ قوامه: الحلفاء أدوات والقيم وسائل والسيادة وهم صالح للاستهلاك الإعلامي فقط. ومن هنا، فإن صدمة أوروبا ليست في ما قاله ترمب، بل في مطابقة قوله لواقعٍ أسهمت هي نفسها في صناعته.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن السؤال الحقيقي الذي يطرحه هذا المشهد ليس سياسياً فحسب، بل أنطولوجياً: هل تستطيع الكيانات، بعد طول تبعية، أن تستعيد وعيها الذاتي؟ أم أن فقدان الوعي، إذا طال، يتحول إلى حالة مستقرة؟.
إن الميتابايولوجيا لا تُقدِّم جواباً مطمئناً، لكنها تقدّم تشخيصاً صائباً مفاده أن الكيان لا يستعيد وعيه إلا إذا قَبِل ثمنه، وثمن الوعي دائماً هو القلق والمخاطرة والعودة إلى حمل عبء القرار. أما الكيانات التي تفضّل الراحة على الوعي، فمصيرها أن تُدار ولو بأقسى أشكال الصراحة.
