
الإنسان، ومنذ لحظة انفصاله عن انتظامه الحيواني، بات كائنًا يرى نفسه من خارج نفسه، ويطلب تعريفه من مرآة الجماعة. وما الآخرون إلا محرّك خارجي يُفعِّل هذا الخلل التطوري الكامن، وليس سببه الأصلي. فمتى يتوقّف الإنسان عن استهلاك صورته كما تُقدَّم له ويشرع في استعادة نظرته الأولى إلى ذاته لا بوصفه موضوعًا مُقيَّمًا، بل كيانًا مُلزَمًا بتحمّل وعيه، مهما كان ثمن هذا الوعي من قلق وعُريٍ وجودي؟
فنحن لا نرى أنفسنا، ولكننا نُعرَض على أنفسنا، بل نعيش داخل صورةٍ صاغها الآخرون، ثم نسمّيها هويّة، ونتساءل ببراءة زائفة، لماذا نشعر بالغربة ونحن داخل هذه الهوية ذاتها؟ ومتى نملك الجرأة لنكف عن النظر في المرآة لا لنختفي، بل لنرى؟ ومتى نكفّ عن استعارة العيون التي تحاكمنا، ونحتمل النظر إلى أنفسنا بلا وسطاء وبلا أقنعة وبلا أعذار؟
إن أخطر أشكال العمى ليس فقدان البصر، بل العيش بعيون ليست لنا.
