الإنسان من السلوك الغريزي إلى المأزق الوجودي

إذا سلّمنا، كما يقتضي المنهج العلمي، بأن الغرائز الحيوانية نتاجُ مسارٍ تطوريٍّ متصل، تحكمه آلياتُ الانتقاء الطبيعي ومنطقُ المنفعة البقائية، فإن السؤال لا يعود: لماذا يتشابه الإنسان مع الحيوان؟
بل يصبح السؤال الأخطر: لماذا يختلف عنه إلى هذا الحد؟
هنا تحديدًا تظهر التحويلة التطورية لا بوصفها انتقالًا تدريجيًا، بل انكسارًا بنيويًا في مسار التطور.
إن التحويلة التطورية لا تعمل بمنطق: مزيد من الذكاء يعني مزيد من التكيف، بل بمنطق أكثر جذرية: وعي زائد غير منضبط أدى الى خلل بنيوي. فالإنسان لم يرث غرائزه فحسب، بل ورثها بعد أن تغيّر موقعها الوظيفي داخل بنية عصبية لم تُصمَّم تطوريًا لاستيعاب هذا المستوى من الوعي والتمثيل الرمزي. وهنا يحدث الآتي: الغريزة لا تختفي لكنها تفقد انسجامها مع وظيفتها الأصلية فتتحول من أداة بقاء إلى مصدر توتر دائم. فالوعي البشري، بعد التحويلة، لم يعد أداة توجيه للسلوك ولا آلية تحسين تكيفي، بل أصبح ساحة صراع بين دوافع غريزية موروثة وقدرة عقلية رمزية فائقة ووعي ذاتي قادر على الإنكار والتخيل والتجريد والقلق. هذا الخلل البنيوي يفسر لماذا يشعر الإنسان بالسأم رغم الأمان ويكتئب رغم الوفرة ويدمّر ذاته رغم غياب الخطر ويمارس العنف دون حاجة بقائية. وكلها غرائز لا يمكن تفسيرها تطوريًا دون افتراض خلل في التنظيم لا في النشأة.
في عالم الحيوان، الغريزة تعني استجابة مباشرة والهدف واضح والإشباع سريع والتوتر مؤقت. أما في عالم الإنسان بعد التحويلة فالغريزة تعني دافع بلا مخرج واضح والهدف مؤجَّل أو متخيَّل والإشباع غير مكتمل والتوتر مزمن. وهذا ما يجعل كثيرًا من الغرائز البشرية غرائز بلا وظيفة تطورية صافية، بل أعراضًا لبنية وعي مختلّة التوازن.
والآن، يتوجب علينا ان نجيب على السؤال التالي: لماذا تفشل البايولوجيا التطورية هنا؟ لأن البايولوجيا التطورية بارعة في تفسير السلوك الوظيفي لكنها عاجزة عن تفسير السلوك الهدّام المستمر وبالتالي هي مضطرة كي تحافظ على نموذجها إلى افتراض منافع خفية أو تأجيل التفسير أو إسقاط المعنى الوجودي كليًا، بينما مقاربة التحويلة والخلل البنيوي تفسّر الظاهرة دون ترقيع: الإنسان لا يعاني لأنه فشل تطوريًا، بل لأنه “نجح” نجاحًا فاق قدرة بنيته على الاحتمال. ووفق هذا الربط، يصبح الإنسان ليس ذروة التطور الحيواني ولا انحرافًا عرضيًا، بل كائنًا ما “بعد-تطوري”، تحكمه غرائز لم تُلغَ لكنها لم تعد تعمل في بيئة عصبية متجانسة معها. وهذا يفسر لماذا معاناة الإنسان لا تشبه معاناة أي كائن آخر وغرائزه لا تشبه غرائز الحيوان إلا في أصلها لا في مآلها.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن الغرائز البشرية، في سوادها الأعظم، ليست بقايا حيوانية ولا وظائف تطورية متقدمة، بل هي نتاج التحويلة التطورية حين أنتجت وعيًا أعلى من قدرة البنية على التنظيم. ومن هنا، فإن القلق والسأم والعنف والتدمير الذاتي والنزوع إلى العدم، ليست ألغازًا سلوكية، بل أعراض خلل بنيوي في وعيٍ خرج عن شروط التكيف الحيواني ولم يدخل بعدُ في توازن جديد.

أضف تعليق