حين يرى الإنسان ذاته بعيونٍ ليست له

ليس الآخرون هم مَن يصنعون هويّاتنا ابتداءً، بل هم يستثمرون خللًا بنيويًا أعمق في الوعي الإنساني: قابليته الفطرية لأن يُنتزع من ذاته، وأن يرى نفسه من خارج نفسه. فمنذ تلك اللحظة المفصلية التي انفصل فيها الإنسان عن انتظامه الطبيعي، لم يعد كائنًا يعيش ذاته مباشرة، بل كيانًا يتوسّط ذاته بالمرآة، ويطلب تعريفه من الجماعة، ويستمدّ شعوره بالوجود من نظرات الآخرين إليه.
بهذا المعنى، لا يكون “الآخر” سبب الاستلاب، بل مُفعِّله؛ لا صانعه، بل المستثمر فيه. فالإنسان لم يُستلب قسرًا فقط، بل شارك، ولا يزال، في استلاب نفسه، حين ارتضى أن يستهلك صورته كما تُقدَّم له، لا كما يُدركها هو. وهنا يتشكّل الوعي المستلب: وعيٌ لا يرى، بل يُعرَض عليه ما ينبغي أن يراه؛ وعيٌ لا يُعرّف ذاته، بل يتلقّى تعريفًا جاهزًا، ثم يلبسه كما لو كان جلده الطبيعي.
نحن، في جوهر الأمر، لا ننظر إلى أنفسنا، بل ننظر إلى انعكاساتنا في أعين الآخرين. نعيش داخل صورة مصنَّعة، ثم نُطلق عليها اسم “الهوية”، ونتساءل، ببراءةٍ زائفة، لماذا نشعر بالغربة ونحن داخل هذه الهوية؟. هذه الغربة ليست عرضًا نفسيًا طارئًا، بل نتيجة مباشرة لانفصال الوعي عن مصدره، وتحويل الذات من كيان فاعل إلى موضوع تقييم، ومن تجربة معاشة إلى ملفّ اجتماعي.
ومن هنا، فإن السؤال الجوهري لا يكمن في كيفية تحرّر الإنسان من الآخر، بل في متى وكيف يمتلك الإنسان الشجاعة ليكفّ عن استعارة العيون التي تحاكمه، وأن يحتمل النظر إلى ذاته بلا وسطاء وبلا أقنعة، وبلا أعذار. فاستعادة النظر ليست فعلًا تأمليًا ناعمًا، بل مغامرة وجودية قاسية، لأن النظر بأعيننا يعني تحمّل مسؤولية ما نراه وسقوط كل الصور المريحة التي صاغها الآخرون نيابةً عنا.
إن أخطر أشكال العمى الميتابايولوجي ليس فقدان البصر، بل العيش الطويل بعينٍ ليست لنا. ومن هنا تدعو هذه المقالة الى تشخيص هذا الخلل البنيوي في الوعي الإنساني، لا بوصفه انحرافًا عرضيًا، بل كأحد المخرجات الأساسية للتحويلة التطورية التي جعلت الإنسان كائنًا قادرًا على الوعي وقابلًا في الآن ذاته، لاستلابه.

أضف تعليق