في معنى “لَأَسْمَعَهُمْ” في قولِه تعالى “وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ”

نقرأُ في سورةِ الأنفال، وفي الآيةِ الكريمة 23 منها، قَولَ اللهِ تعالى (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ). فما هو معنى “لَأَسْمَعَهُمْ” في هذه الآيةِ الكريمة؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نتدبَّرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادها أنَّ الإنسانَ، وبحكمٍ من غلبةِ نفسِه عليه وتحكُّمِ هواه في قدرتِه على عقلِ الأشياء وفقهِ الحديث وسماعِ الحقائق، لن يكونَ بمقدورِه أن يسمعَ كلامَ الله فيعقلَه ويفهمَه الفهمَ الحق إلا إذا ما استعان على نفسِه وهواه بما هو كفيلٌ بجعلِهما يكفان عن التشويش عليه. ولقد بيَّنَ اللهُ تعالى في قرآنِه ما يحتاجه المرءُ حتى يكونَ حالُه معه على هذه الشاكلة من القدرةِ على الاستماع لكتابِه والفهمِ لمعناه ومراده؛ فهذه المقدرة لم يؤتاها إلا مَن اتَّبعَ هَديَ الله فاختارَ بذلك الخيارَ الذي يُمكِّنُه من ذلك. فالإنسانُ قد خيَّرَه اللهُ بين طريقَين لا ثالثَ لهما: (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (من 38- 39 البقرة).
فاتباعُ هديَ اللهِ تعالى إذاً هو وحده الكفيل بجعل المرء يسمعُ لكلامِ الله ويفقهُ مرادَه ومعناه. أما مَن شاءَ أن يُعرِضَ عن هَدي الله، فحالُه مع اللهِ تعالى لن يجعلَه يسمع فيفقه من كلامِه شيئاً، فيصبحَ كالأصم الأبكم الذي لا يعقل شيئاً. ومَن كان هذا هو حالُه مع اللهِ تعالى، فلن ينتفعَ بكتابِ الله شيئاً. ولقد شدد اللهُ تعالى على هذه الحقيقة بقولِه: “وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ”. صحيحٌ أنَّ اللهَ قادرٌ على أن يُسمِعَ مَن أعرضَ عن اتِّباعِ هَديه، إلا أنه تعالى قد أخبرنا بعدَها بأنه حتى وإن جعل بمقدورِ مَن أعرضَ عن هَديه أن يسمعَ لكلامِه، لتولى وأعرضَ فلا ينتفع بذلك أبداً.

أضف تعليق