
يُمثّل الدكتور خير الدين حسيب (1929-2021) نموذجاً فريداً في الفكر العربي المعاصر؛ حيث تجاوز دور “المثقف المنظّر” ليصبح “المثقف المؤسس”. تكمن القيمة الجوهرية لمشروعه في قدرته على سد الفجوة التاريخية بين الطموحات القومية الكبرى وبين الأدوات المنهجية اللازمة لتحقيقها.
فبينما انهمك معظم المفكرين العرب (مثل الدكتور محمد عزة دروزة أو ساطع الحصري) في صياغة الأطر التاريخية والنظرية للقومية العربية، أدرك حسيب أن الأفكار لا تعيش طويلاً إذا لم تسندها مؤسسة مستقلة. وبالإمكان تلخيص مسعى دكتور خير الدين حسيب في هذا المضمار كما يلي:
• تأسيس مركز دراسات الوحدة العربية (1975) :لم يكن مجرد دار نشر، بل كان “عقلاً جمعياً” للعرب.
• الاستقلالية المالية والسياسية: نجح حسيب في ابتكار نموذج تمويلي يحمي المركز من التبعية للأنظمة السياسية، مما منح أبحاثه مصداقية افتقدتها المراكز التابعة للدول.
• المؤسسة: حوّل حسيب العمل الثقافي من مجهود فردي (كما هو حال دروزة الذي كان مشروعه مرتبطاً بشخصه وقلمه) إلى عمل مؤسسي مستدام يتجاوز عمر الأفراد.
عند مقارنة حسيب بالدكتور محمد عزة دروزة، نجد فارقاً جوهرياً في طبيعة “المخرجات” المعرفية. فبينما قام الدكتور دروزة بتقدم خدمة جليلة بتوثيق الهوية، إلا إن مشروعه كان “أرشيفياً” وتفسيرياً، بينما كان مشروع حسيب “تخطيطياً” وعملياً.
من أهم ملامح مشروع حسيب المعرفي هو إدخال لغة الاقتصاد والاجتماع في صلب الخطاب القومي. قبل حسيب، كانت الوحدة العربية تُناقش كـ “قدر” أو “عاطفة” أو “تاريخ مشترك”. مع حسيب ومركز دراسات الوحدة العربية تحولت الوحدة إلى ضرورة تنموية (كتلة اقتصادية)، فتم استبدال الشعارات بـ دراسات الجدوى والتقارير الإحصائية وأُطلق مشروع “استشراف مستقبل الوطن العربي” الذي وضع سيناريوهات علمية للمنطقة.
رغم العظمة التنظيمية لمشروعه، واجه مشروع حسيب تحديات كبرى:
• الفجوة بين البحث والتطبيق: نجح حسيب في تجسيد مشروعه “ثقافياً” عبر المركز، لكن “الواقع السياسي” العربي ظل عصياً على التغيير، مما جعل دراسات المركز تبقى حبيسة الأرفف بالنسبة لمتخذي القرار.
• النخبوية: ظل المركز مؤسسة نخبوية تخاطب الأكاديميين والمثقفين، ولم ينجح تماماً في التحول إلى حركة شعبية تضغط لتنفيذ تلك الأفكار.
يُعد خير الدين حسيب “المهندس” الذي بنى المصنع، بينما كان الآخرون يكتبون وصفات للمنتجات. قيمته لا تكمن فقط فيما كتبه هو شخصياً، بل في الفضاء الحر الذي وفره لمئات الباحثين العرب ليكتبوا ويبحثوا بعيداً عن مقص الرقيب السلطوي. لقد أثبت أن المثقف يمكن أن يكون “مديراً ناجحاً” دون أن يفقد نزاهته الفكرية.
