مجلة “المستقبل العربي”…. تقييمٌ معرفي آن أوانه

تُعتبر مجلة “المستقبل العربي”، التي أطلقها مركز دراسات الوحدة العربية عام 1978، الذراع المعرفي الأكثر تأثيراً لمشروع خير الدين حسيب. لم تكن مجرد دورية أكاديمية، بل تحولت إلى “مختبر للأفكار” ومطبخ لصناعة الوعي النخبوي خلال عقدين حاسمين (الثمانينيات والتسعينيات).
فيما يلي تحليل لدورها في تشكيل وعي النخبة العربية:

  1. “برلمان المثقفين” العابر للأيديولوجيات
    قبل “المستقبل العربي”، كان الفكر العربي يعيش في “جزر معزولة”؛ فالقومي لا يقرأ للماركسي، و”الإسلامي” في قطيعة مع الليبرالي. فقد نجح خير الدين حسيب من خلال المجلة في جمع هذه المتناقضات على طاولة واحدة. كان المعيار هو “الرصانة العلمية” لا “الولاء الحزبي”. أدى هذا التمازج إلى ظهور تيار “الكتلة التاريخية” (الذي نادى به الجابري وغيره)، وهو محاولة لإيجاد أرضية مشتركة بين التيارين العروبي و “الإسلامي”.
  2. من “الخطابة” إلى “المنهجية العلمية”
    في الثمانينيات، كان الخطاب القومي يعاني من تضخم العاطفة وهشاشة الأرقام. جاءت المجلة لتعيد تربية العقل النخبويي. فبدأت النخبة تقرأ دراسات حول “الفجوة الغذائية العربية” و “التكامل المائي” و”مؤشرات التنمية البشرية”. ولم تعد المجلة تكتفي بشتم “الاستعمار” كشماعة للفشل، بل بدأت في تشريح بنية “الدولة القُطرية” ونقد الأنظمة الشمولية من الداخل بأسلوب أكاديمي رصين.
  3. مأسسة “قضية الديمقراطية” (منعطف 1983)
    يُسجل للمجلة والمركز فضل السبق في طرح سؤال الديمقراطية كشرط أساسي للوحدة. ففي عام 1983، عُقدت ندوة “أزمة الديمقراطية في الوطن العربي”، ونُشرت أعمالها في المجلة. كانت تلك اللحظة هي التي غيرت بوصلة النخبة من شعار “الوحدة أولاً” إلى شعار “الديمقراطية هي الطريق للوحدة” .هذا التحول كان ثورياً في وقتها، حيث كانت معظم الحركات القومية واليسارية لا تزال تؤمن بـ “المستبد العادل” أو “طليعة الحزب”.
  4. جسر التواصل بين المشرق والمغرب العربي
    قبل هذا المشروع، كان هناك قصور في تواصل النخب المغاربية مع المشرق. من خلال “المستقبل العربي”، تعرف القارئ المشرقي على قامات العقل المغربي مثل (محمد عابد الجابري، عبد الله العروي، محمد أركون، وسالم لبيض). فلقد قدم المغاربة المنهجية الفلسفية والابستمولوجية، بينما قدم المشارقة الدراسات السياسية والاقتصادية والتاريخية، مما خلق “عقلاً عربياً متكاملاً” لأول مرة في العصر الحديث.
  5. التحديات والأثر المتبقي
    رغم هذا النجاح، واجهت المجلة في التسعينيات تحديات كبرى. فتغير البيئة السياسية (حرب الخليج، اتفاقيات أوسلو) أدت إلى تصدعات في الوجدان العربي لم تستطع الأبحاث الأكاديمية ترميمها بسهولة. واتُهمت المجلة بأنها تكتب “من الأكاديميين وللأكاديميين”، مما خلق فجوة بين هذا الوعي الراقي وبين الشارع الذي بدأت تختطفه خطابات أكثر تبسيطاً وعاطفية.
    لقد كانت مجلة “المستقبل العربي” هي “الجامعة العربية الحقيقية” التي لم تسيطر عليها الحكومات. فلقد نجحت في جعل “العروبة” مشروعاً عقلانياً قابلاً للدراسة والقياس، وليس مجرد ذكريات تاريخية.

أضف تعليق