
لا يمكن فهم “نجمة داوود” في عمقها الروحي دون العودة إلى ضفاف نهر خابور، حيث وقف النبي حزقيال ليرى “السماوات وقد انفتحت”. هناك، لم يرَ حزقيال مجرد مشهد عابر، بل رأى آلة كونية هائلة، عُرفت في التراث الصوفي اليهودي باسم “الميركابا” (Merkabah) أو مركبة العرش.
وصف حزقيال في إصحاحه الأول مشهداً مهيباً لمركبة نارية تنزل من وسط سحابة عاصفة. تحدث عن كائنات نورانية وعن “بكرات” أو عجلات (Ophanim) كانت تتحرك في كل الاتجاهات دون أن تدور. وصفها بأنها كانت “بكرة داخل بكرة”.
في التفسيرات الباطنية، هذا التداخل بين العجلات والزوايا ليس مجرد وصف مادي، بل هو إشارة إلى الهندسة “المقدسة” التي يقوم عليها الكون. المثلثات المتداخلة التي تشكل النجمة السداسية هي في الحقيقة “مسقط رأسي” أو تمثيل ثنائي الأبعاد لتلك المركبة المعقدة التي رآها حزقيال. وأما في التراث الباطني، فإن نجمة داوود لا تُقرأ كشكل مسطح، بل كشكل ثلاثي الأبعاد يُعرف بـ “النجمة رباعية السطوح” (Star Tetrahedron) .هذا الشكل ينتج عن تداخل هرمين: واحد يتجه رأسه للأعلى والآخر للأسفل.
أما كلمة ميركابا (Mer-Ka-Ba)فإنها تُحلل تأثيلياً، كما يظن البعض، إلى ثلاثة مقاطع:
1. Mer : وتعني الضوء المتردد أو الحقول الضوئية المتداخلة.
2. Ka : وتعني الروح.
3. Ba : وتعني الجسد أو الواقع المادي.
بالتالي، فإن “الميركابا” هي المركبة النورية التي تربط الروح بالجسد وتسمح لهما بالانتقال عبر أبعاد الوجود، وهو تماماً ما تمثله النجمة السداسية من تداخل بين عالم “الغيب” (المثلث الصاعد) وعالم “الشهادة” (المثلث النازل). إن ما تقدم شرحه وبيانه وتفصيله لا يمكن على الإطلاق أن يحجب التأثيل اللغوي لكلمة “ميركابا”؛ هذا التأثيل الذي يعود بهذه الكلمة الى جذرها العربي (مركبة) والتي هي أسم آلة مشتق من الفعل العربي (ركب). فالتأثيل الشائع لكلمة (ميركابا) يقوم على أساس من التنكر لأصلها العربي وذلك في مقابل التشديد على تأثيل عبري مُغرِق في تأويلاته الباطنية ومبالغ في تحميل هذه الكلمة ما لا تحتمل من معانٍ فلسفية ميتافيزقية.
كما ويشير التراث المرتبط بحزقيال إلى أن العربة النارية كانت وسيلة “للتجلي الإلهي” في العالم المادي. ومن هنا، اعتقد المتصوفة أن شكل النجمة السداسية ليس مجرد “درع” مادي لداوود في معاركه، بل هو “درع روحي” مستمد من هندسة العرش.
الربط هنا يكمن في أن الملك داوود، من خلال مزاميره واتصاله الروحي، استطاع استحضار قوة هذه “الميركابا” لحماية مملكته. النجمة هنا هي “الخاتم” الذي يضبط حركة القوى الكونية، تماماً كما كانت العجلات في رؤيا حزقيال تضبط حركة المركبة “الإلهية”.
تتلخص علاقة النجمة برؤيا حزقيال في ثلاث نقاط جوهرية:
1. التوازن المطلق: كما أن المركبة كانت تتحرك في الجهات الأربع بتوازن تام، فإن النجمة السداسية تمثل الاتجاهات الستة (شمال، جنوب، شرق، غرب، أعلى، أسفل) مضافاً إليها المركز (نقطة السكون).
2. الاتحاد بين الخالق والمخلوق: المثلثان المتداخلان يعكسان رؤية حزقيال لكائنات أرضية (وجوه إنسان، أسد، ثور، نسر) تحمل عرشاً سماوياً؛ أي تمازج الطبيعة البشرية بالقداسة الإلهية.
3. الديناميكية: النجمة ليست شكلاً ساكناً، بل هي في الوعي الصوفي “عجلة” دائمة الدوران، هي المحرك الذي يدير تدفق الطاقة بين السماء والأرض.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن نجمة داوود، حين تُقرأ من خلال “ميركابا” حزقيال، تتوقف عن كونها رمزاً سياسياً أو عرقياً، لتصبح رمزاً تكنولوجياً روحياً. إنها تمثيل للبوابة التي عبر منها النور الإلهي إلى المادة، والوسيلة التي يمكن من خلالها للإنسان أن يعرج بروحه إلى ملكوت السماوات، محاكياً بذلك رحلة الأنبياء في مركباتهم النارية.
تمثل هذه الرؤية لنجمة النبي داوود عليه السلام مقاربة محملة بكثير من التأويلات العقلانية التي تسعى لفهم ما كانت تمثله هذه النجمة وما تنطوي عليه من أسرار لم يكشف النبي داوود النقاب عنها لأحد، إلا لمن ورثه من بعده، ابنه النبي سليمان والذي حذا حذوَه فلم يُبح من أسرارها شيئاً. وتكفل لنا هذه التأويلات الميتافيزيقية التي ليس فيها ما يمت الى حقيقة هذه النجمة بأي صلة، أن ندرس جانباً من الجوانب التي تُميز العقل البشري في مسعاه لفهم الظواهر الغامضة فهماً يضطره الى اختراع وتلفيق روايات وأحاديث يتوهم أنها الحق بعينه.
