ظاهرة داربي… لاهوت “الهامش” الذي أعاد صياغة “المركز”

لا يمثل مشروع جون نيلسون داربي مجرد قراءة لاهوتية مغايرة، بل هو “انزياح” معرفي كامل في فهم النص الديني المتمثل في العهدين القديم والجديد. فرغم كونه واجه رفضاً قاطعاً من المؤسسات الكنسية التقليدية (الكاثوليكية، الأرثوذكسية، والبروتستانتية) التي اعتبرته خروجاً عن التأويلات المتعارف عليها، إلا أن أفكاره حققت تغلغلاً أفقياً وعمودياً مذهلاً.
تكمن قدرة “التدبيرية” الاستثنائية على جذب المؤمنين بها في صفتين رئيستين هما: التناسق الصارم والبعد الخلاصي الدرامي. ففي الوقت الذي كانت فيه الكنائس التقليدية تغرق في تأويلات رمزية معقدة، قدم داربي “خريطة طريق” حرفية وواضحة للتاريخ. فلقد حول العهدين القديم والجديد، من نص وعظي إلى “كتالوج” مستقبلي، حيث يجد المؤمن نفسه في قلب دراما كونية مبرمجة سلفاً. إن فكرة “الاختطاف” (Rapture) ليست مجرد عقيدة، بل هي استجابة نفسية عميقة لغريزة البقاء؛ فهي تمنح الفرد شعوراً بـ “النخبوية الروحية”، حيث يتم اختياره للنجاة من دمار محتوم، مما يفسر إقبال شباب الغرب اليوم عليها كنوع من التمرد والثورة على واقع عالمي مضطرب.
لم يكتفِ فكر داربي بالانتشار الشعبي، بل تغلغل في النخب السياسية والثقافية في بريطانيا والولايات المتحدة. ففي بريطانيا، تبنى اللورد شافتسبري هذه الأفكار، مما ساهم في صياغة رؤية سياسية ربطت بين العودة “اللاهوتية” لليهود والمصالح الإمبراطورية. أما في الولايات المتحدة، فقد كان لـ “كتاب سكوفيلد المرجعي” مفعول السحر، حيث تسللت أفكار داربي إلى عقول القادة وصناع القرار، ليتحول “اللاهوت التدبيري” إلى ركيزة أساسية فيما يعرف اليوم بـ “الصهيونية المسيحية”. لقد انتقل هذا الفكر من غرف الكنائس الصغيرة إلى أروقة “الكونغرس” ومراكز الدراسات الاستراتيجية، مشكلاً ضغطاً لا يستهان به في توجيه السياسة الخارجية، بناءً على رؤية “نهاوية /ايكابوليبتكية” ترى في أحداث الشرق الأوسط تمهيداً لعودة المُخلِّص.

أضف تعليق