علة الإسماعُ الإلهي الممتنع

يُخطئ من يتعامل مع مفردة “السماع” في الخطاب القرآني بوصفها فعلًا فيزيائيًا محضًا، تُؤدّيه الأذن وتُنجزه الحاسة. فالقرآن، ومنذ أولى مخاطباته للإنسان، لم يخاطب الحواس بمعزل عن البنية النفسية–الوجودية التي تستقبل المعنى أو ترده. ومن هنا فإن الوقوف عند الدلالة السطحية للسماع يفضي حتمًا إلى سوء فهم جوهري للخطاب الإلهي، وإلى إشكالات عقدية لا ضرورة لها.
في هذا السياق تأتي الآية الكريمة: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (الأنفال: 23) بوصفها نصًا كاشفًا لا عن قصور في التبليغ، بل عن انسداد في القابلية.
يُعيد القرآن تعريف السماع بوصفه قدرة على النفاذ إلى المعنى، وليس مجرد استقبال للصوت. ولهذا لم يتردد في وصف أناس يسمعون فعلًا، لكنهم في الحقيقة لا يسمعون: ﴿لَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾. وهذا النفي لا يستقيم إلا إذا كان السماع المقصود سماعًا إدراكيًا–وجوديًا، مشروطًا بسلامة البنية النفسية والعقلية التي تتلقى الخطاب. من هنا، فإن قول الله تعالى: “لَأَسْمَعَهُمْ” لا يعني: لجعلهم يسمعون الصوت، إذ إن الصوت قد وصلهم فعلًا، وإنما يعني: لأزال الحواجز الداخلية التي تمنع وصول المعنى إلى الوعي.
إن المفتاح المفهومي في الآية ليس السماع، بل الخير: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. فالخير هنا ليس مكافأة لاحقة، ولا ثمرة تعليم أو إقناع، بل قابلية داخلية واستعداد بنيوي في النفس يسمح بانفتاح الوعي على المعنى. وبهذا ينتفي الوهم القائل بأن السماع هو الذي يُنشئ الهداية؛ بل العكس هو الصحيح، فالهداية ثمرة قابلية والسماع نتيجة لانفتاح، أما الإعراض فنتاج انسداد سابق. ولهذا جاء الشطر الثاني من الآية حاسمًا: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. أي أن السماع القسري، غير المنسجم مع البنية الداخلية، لا يُنتج فهمًا ولا تحولًا، بل يزيد الإعراض رسوخًا.

ضمن المنظور الميتابايولوجي، لا يُفهم هذا الانسداد بوصفه خللًا أخلاقيًا فحسب، بل بوصفه تعطّلًا بنيويًا في آليات التلقي الوجودي. فالنفس، حين تهيمن لا تُنتج مجرد رغبات، بل تعيد ترتيب سلّم الأولويات الإدراكية وتُضخّم الهوى بوصفه معيار تفسير وتُحوّل الوعي من جهاز استقبال للمعنى إلى أداة دفاع عن الذات. في هذه الحالة، يصبح السماع تهديدًا لا هداية واختراقًا لا كشفًا وخطرًا على البنية النفسية التي بَنَت ذاتها على الإعراض. ومن هنا نفهم لماذا لا “يُسمِع” الله الجميع، لا عجزًا، بل وفاءً لقانون الوعي: ما لا يُستقبَل لا يُفرض، وما لا يُحتمل لا يُلقى.
يشيع الظن أن اتباع هدى الله هو سبب القدرة على السماع، غير أن القراءة البنيوية تكشف أمرًا أدق: الاتباع ليس ما يُنشئ القابلية، بل ما يكشف عنها. فالذي يتبع الهدى إنما يفعل ذلك لأنه يملك أصلًا تلك المساحة الداخلية التي تسمح له بسماع المعنى دون أن ينهار نظامه النفسي أو يتشظى وعيه. أما من أغلق هذه المساحة تحت ضغط النفس والهوى، فإن كل خطاب يتحول لديه إلى ضجيج مرفوض، مهما كان مصدره.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن القرآن هنا لا يتحدث عن صمم حسي ولا عن حرمان تعسفي، بل عن اختيار وجودي عميق؛ اختيار الانغلاق بدل الانكشاف والتولي بدل المواجهة والهوى بدل الحقيقة. في هذا الإطار، تُقرأ الآية لا بوصفها حكمًا على فئة بعينها، بل بوصفها قانونًا ميتابايولوجيًا عامًا. فالوعي الذي يُسلِّم نفسه للنفس يفقد القدرة على السماع، لا لأن الصوت غائب، بل لأن المعنى لا يتوافق مع ما تريده النفس ولا يتفق مع ما يأمر به الهوى.

أضف تعليق