
لم تكن كلمة Apocalypse في أصلها الإغريقي تعني نهاية العالم كما استقر في المخيال الشعبي الحديث، بل كانت تعني الكشف أو الانكشاف أو زوال الحجاب وظهور الحقيقة بعد طول ستر. ومن هذا المعنى الحرفي، لا المجازي، يمكن فهم اللحظة التاريخية التي يعيشها العالم اليوم بوصفها لحظة أبوكاليبس كاملة الأركان.
لقد عاش النظام الدولي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، متلفعًا بسردية أخلاقية محكمة الصياغة: نظامٌ وُلد من رماد الفاشية، وتأسس، كما قيل، على أنقاض النازية، ليحمل راية القانون الدولي وحقوق الإنسان والدفاع عن المظلومين ومنع تكرار الكارثة. غير أن ما سُمّي بـ “لحظة فنزويلا” لم يكن حدثًا عابرًا في سياق سياسي مضطرب، بل كان لحظة كشف صاعقة أسقطت القناع دفعةً واحدة.
حين أقدمت القوات الأمريكية، بأمرٍ مباشر من رئيسها بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، على الاعتداء على سيادة دولة مستقلة واختطاف رئيسها الشرعي، لم يكن ذلك مجرد خرقٍ جديد للقانون الدولي؛ فالخروقات سبقت ذلك بكثير. الجديد هنا هو الصمت: الصمت الغربي الكامل والفاضح، الذي لم يجد حتى عناء التبرير القانوني أو الأخلاقي. ففي تلك اللحظة، لم يسقط القانون الدولي فحسب، بل سقط الادعاء بوجوده كمرجعية عليا. إذ كيف يمكن لنظامٍ يدّعي حماية السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها أن يصمت أمام فعلٍ بهذه الفجاجة؟ وأي قيمة تبقى لمواثيق ومحاكم ومجالس إذا كانت تُعطّل تلقائيًا حين يكون الفاعل هو مركز القوة ذاته؟
ثم جاءت المسألة الغرينلاندية لتعمّق هذا الانكشاف. جزيرةٌ تتمتع بوضع قانوني واضح تحت سيادة تاج مملكة الدنمارك، تتعرض لتهديدٍ علني بالغزو من رئيس الولايات المتحدة نفسه. ومع ذلك، لم نسمع تهديدًا بتفعيل المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، ولم نشهد تعبئة سياسية أو عسكرية، ولم ترتفع لغة “الدفاع عن الحلفاء”.
فالسؤال هنا لا يُطرح عن غرينلاند بحد ذاتها، بل عن المعيار: لماذا يُستنهض الغرب كله لنصرة أوكرانيا، ويُضخ السلاح والمال والدعم السياسي بلا سقف؟ ولماذا يُشلّ هذا الغرب ذاته حين يكون التهديد صادرًا من الحاكم الفعلي للنظام الدولي نفسه؟
الإجابة، في لحظة الأبوكاليبس هذه، باتت واضحة: القانون لا يُطبّق إلا على الخصوم, والشرعية لا تُستدعى إلا حين تخدم ميزان القوة.
إن دعم أوكرانيا لم يكن في ذاته موضع الإشكال، بل انتقائيته. فحين يُرفع شعار “الدفاع عن السيادة” في وجه روسيا، ويُطوى هذا الشعار ذاته حين تُنتهك سيادة فنزويلا أو تُهدد غرينلاند، فإننا لا نكون أمام نظام أخلاقي، بل أمام أداة سياسية تُستعمل عند الحاجة وتُهمَل عند التعارض مع مصلحة المركز.
وهنا تتجلى لحظة الأبوكاليبس في أصفى صورها: لم يعد النظام الدولي كيانًا مؤسسيًا متعدد الأطراف، بل انكشف بوصفه نظامًا شخصانيًا، يدور حول إرادة حاكمٍ فرد، يمسك بمفاصل القوة، ويُعيد تعريف “الشرعية” وفق مزاجه السياسي.
إن أخطر ما في لحظة الأبوكاليبس هذه ليس سقوط الأقنعة، بل استحالة العودة إلى الوهم. فما انكشف لا يمكن إعادة ستره. لقد تبيّن أن ما بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن عصر القانون، بل عصر تأجيل كشف الحقيقة. وأن ما سُمّي نظامًا دوليًا لم يكن سوى بنية هيمنة مغلّفة بخطاب أخلاقي.
نعم، إنها لحظة الأبوكاليبس. لحظة انكشاف الحقيقة العارية: لا عدالة عالمية ولا قانونًا دوليًا محايدًا ولا نظامًا يحكمه مبدأ، بل عالمٌ تحكمه إرادة القوة حين تتجرد من الحاجة إلى التبرير. ومن هنا، فإن انهيار النظام الدولي لا يبدأ من لحظة سقوطه، بل من لحظة انكشاف حقيقته: نظامٌ متسترٌ بفوضى خلاقة يديرها حاكم فردٌ استبدت به أوهام عظمةٍ طاغية استخف قومه فأطاعوه واسترهب أعينَ وقلوبَ وعقولَ الناس فخافوه وانصاعوا لأمره.
