الخلط بين المرجع والسلوك… مدخل ميتابايولوجي في تشويه التمثّل لا في تشويه الأصل

من أبرز مظاهر الخلل البنيوي في الوعي الإنساني المعاصر ميلُه الدائم إلى اختزال المرجع في سلوك حامليه، وإلى إسقاط الفعل البشري على الأصل المعياري الذي يُفترض أن يُقاس به هذا الفعل لا أن يُدان بسببه. وهذا الخلط لا يقتصر على الدين، لكنه يظهر فيه بأشد صوره حدّةً وخطورة، لأنه يمسّ ما يُفترض أنه مرجع فوق-تاريخي، وليس كياناً اجتماعياً خاضعاً للتبدّل. وفي هذا السياق يبرز الإشكال الكامن في عناوين من قبيل: “كيف قام بعض المسلمين بتشويه الإسلام؟” بوصفه مثالًا دالًا على هذا الخلل، لا في الصياغة اللغوية فحسب، بل في بنية الإدراك نفسها.
في المنظور الميتابايولوجي، يُفترض التمييز الصارم بين مستويين:

  1. المرجع، وهو نصٌّ مؤسِّس أو مبدأ معياري أو نموذج أعلى يُقاس به السلوك
  2. السلوك، وهو استجابة بشرية، مشروطة بالهوى، خاضعة للاختلال العصبي والنفسي والاجتماعي.
    إن الخلط بين هذين المستويين ليس خطأً معرفيًا عابرًا، بل هو نتيجة مباشرة للتحويلة التطورية الأولى التي أضعفت قدرة الإنسان على الفصل بين ما هو معياري وما هو وصفي، وما يُحتكم إليه وما يُحتجّ به.
    إن الإسلام، وفق تعريفه الذاتي، ليس ظاهرة اجتماعية قابلة للتشوّه، بل مرجعٌ نصيٌّ مكتمل، يتمثّل في القرآن الكريم بوصفه المصدر والميزان والمعيار. وبهذا المعنى لا يزيد الإسلام بطاعة البشر ولا ينقص بمعصيتهم ولا يتأثر بتمثّلاتهم المشوَّهة. فإسناد فعل التشويه إلى الإسلام نفسه هو نقل للمسؤولية من السلوك إلى المرجع، وهو ما يكشف عن خلل في موضع الإسناد لا في العبارة وحدها. من منظور ميتابايولوجي دقيق، فإنه لا يوجد غير احتمال واحد واقعي، ألا وهو تشويه التمثّل الذهني للإسلام أو تشويه صورته في الوعي الجمعي أو إساءة عرضه وتمثيله سلوكيًا. أما القول بـ تشويه الإسلام نفسه، فهو مستحيل منطقيًا ومرفوض عقديًا ودالّ ميتابايولوجيًا على إسقاط الإنسان ضعفه على المرجع. وهنا يتجلّى أحد أعراض الإنسان ما بعد التحويلة التطورية والمتمثل بعجزه عن تحمّل مسؤولية فعله، فيُحمِّل الأصل وزر الانحراف عنه.
    إن الاحتجاج بـ “البيان العربي” لتبرير هذا الخلط، بزعم أن تشويه الإسلام “مجاز” عن تشويه صورته، لا يصمد ميتابايولوجيًا، لأن المجاز وظيفة تعبيرية، لا آلية هروب معرفي واللغة لا تُصلِح ما أفسده الخلل الإدراكي والاستعاضة البلاغية لا تبيح قلب موضوع الحكم. فحين تُستعمل البلاغة لتبرير الخلط بين المرجع والسلوك، فإنها تتحوّل من أداة بيان إلى قناع معرفي يخفي العجز عن الفصل البنيوي.
    إن هذا النمط من التفكير لا يقتصر على الإسلام، بل يتكرّر في إدانة القيم بسبب فشل حامليها وإدانة المبادئ بسبب سوء تطبيقها وتحميل النصوص وزر التاريخ
    وهو ما يكشف عن “وعي مأزوم”، فقد بوصلته المعيارية، فلم يعد قادرًا على التمييز بين المقياس والمقيس والأصل والانحراف عنه.
    من المنظور الميتابايولوجي، يُعدّ الخلط بين المرجع والسلوك واحدًا من أخطر مظاهر الانحراف الإدراكي للإنسان المعاصر. فالإسلام لا يُشوَّه، لكن الإنسان يُسيء التمثّل ويُسيء السلوك ثم يُسقِط فشله على المرجع. وهكذا، بدل أن يُحاسِب الإنسان نفسه بمعيارٍ أعلى، يُدِين المعيار لأنه يفضح اختلاله. وهنا، لا تكون المشكلة لغوية، بل وجودية–ميتابايولوجية بامتياز.

أضف تعليق