
لا يزال النقد الأدبي التقليدي يحصر ستيفن كنج في زاوية “أدب النوع” (Genre Fiction)، معتبراً إياه أستاذاً في إثارة القشعريرة وتجسيد الكوابيس المعاصرة. إلا أن قراءة متأنية لمشروعه المعرفي، وبشكل خاص في كتابه العمدة “حول الكتابة: مذكرات الحرفة”، تكشف عن رؤية أعمق بكثير؛ فالرعب عند كنج ليس مجرد أداة للترفيه، بل هو “عامل تشكيل” جوهري في بنية الوعي البشري، وآلية لاوعية فرزت عبر التاريخ ما يستحق أن يبقى في الذاكرة الجمعية وما يجب إقصاؤه.
في كتابه “حول الكتابة”، يطرح كنج استعارة مذهلة لعملية الكتابة، حيث يشبّه القصة بـ “الأحفورة” (Fossil) التي نجدها في الأرض. هو لا يرى الكاتب “خالقاً” للقصة من العدم، بل “منقباً” عنها. من هنا، يمكننا تأويل “عامل الرعب” في قصصه بأنه التنقيب عن تلك المخاوف البدائية التي تشكلت في فجر الوعي البشري. إن الرعب هو اللغة الأولى التي تعلمها الإنسان قبل اللغة المنطوقة؛ الرعب من الظلام ومن المجهول ومن “الآخر” المتربص. هذا العامل لم يكن عارضاً، بل كان المحرك الأساسي لغريزة البقاء ولصياغة خرائط الوجود الأولى.
غير أن هذه المقالة تطرح مقاربة مغايرة للسردية السائدة، وذلك بتبنيها طرحاً مفاده أن الرعب هو أحد أهم العوامل التي تشكل لاوعي الإنسان. وبالعودة إلى كنج، نجد أن شخصياته غالباً ما تُستدعى من خلال ذكريات “مشوهة” أو “مكبوتة” . غير أن الذاكرة البشرية ليست شريطاً تسجيلياً محايداً، بل هي مصفاة انتقائية. الرعب يعمل هنا كـ “حبر سري” يكتب به اللاوعي تجاربه الأكثر تأثيراً. نحن لا نتذكر ما كان جميلاً فحسب، بل نتذكر، بشكل أكثر حدة، ما هدد كياننا. كنج يدرك أن “مفردات الذاكرة” التي نختزنها هي في جوهرها ردود أفعال على صدمات وجودية قديمة، وما كتاباته إلا محاولة لفك شفرة هذه الاختيارات اللاواعية.
وخلافاً للمنظور الذي يحصر الرعب في تحليل “الإنسان المعاصر”، فإن مشروع كنج يمتد ليشخص الكيان البشري العابر للزمان. ففي كتابه “حول الكتابة” يؤكد كنج أن الكتابة هي “تخاطر” (Telepathy) عابر للزمن والمكان وهذا التخاطر ينجح وذلك لأن “عامل الرعب” هو القاسم المشترك الأكبر بين البشر. إن خوف “رجل الكهف” من الحيوان المفترس هو ذاته خوف “الإنسان الحديث” من الفشل أو العزلة أو الموت التقني. فالرعب هنا هو الخيط الرابط الذي يحدد “مفاتيح الشخصية” وسلوكها؛ فالبشر لا يتحركون فقط بدافع الرغبة، بل يهربون، بشكل أساسي، من مخاوفهم الكبرى.
ما يفعله كنج في نصوصه، وما ينظّر له في “حول الكتابة”، هو استخدام الرعب كـ “مشرط جراحي” . فحين يضع شخصياته في مواجهة “المسخ” سواء كان وحشاً حقيقياً أو وحشاً نفسياً (متخَيَّلاً)، فإنه في الحقيقة يجرد الوعي من أقنعته الحضارية الزائفة. في تلك اللحظة، تتجلى “الهشاشة البشرية” التي هي أصل الوعي. فالوعي بالذات بدأ لحظة أدرك الإنسان أنه “فانٍ” وأنه “مُهدد”، وهذا الإدراك هو الرحم الذي ولد منه الرعب.
إن ستيفن كنج، من خلال تأكيده على صرامة الحرفة في “حول الكتابة” وعلى صدق العاطفة (حتى لو كانت خوفاً)، يقدم لنا دراسة أنثروبولوجية متكاملة، فـ “عامل الرعب” عنده ليس غاية في حد ذاته، بل هو العدسة المكبرة التي نرى من خلالها تشوهاتنا وآمالنا وكيفية بنائنا لعالمنا الداخلي. وبناءً على ذلك، يصبح كنج في هذا السياق فيلسوفاً للذاكرة واللاوعي، يقرأ في الرعب “النص الأصلي” للإنسانية، الذي حاولنا طويلاً طمسه تحت طبقات من التمدن، لكنه يظل المحرك الخفي لكل ما نفعله، وكل ما نختاره لنبقى على قيد الوعي.
