
يُعدّ الخوف إحدى أقدم الغرائز الحيوية التي تشكّلت في الكائنات الحيّة بوصفها آليةً دفاعيةً دقيقة، تضبط الاستجابة للمخاطر ضمن حدودٍ تحفظ البقاء وتُحسن إدارة الطاقة. فالحيوان، مهما اشتدّ خطر الموقف، لا يعرف المبالغة في الخوف؛ إذ تأتي ردود أفعاله منضبطة بالقوالب الغريزية التي تمنع الهدر، وتُحكِم التوازن بين الاستجابة والتهديد.
غير أنّ الإنسان، على خلاف ذلك، لا يكتفي بالخوف، بل ينزلق – في كثير من حالاته – إلى الرعب: حالة تتجاوز منطق الاستجابة الوقائية لتتحول إلى اضطراب شامل في السلوك، والوعي، والتقدير، واستهلاك الطاقة. وهنا يبرز السؤال الجوهري:
أيّ منفعة تطورية يمكن أن يحققها الرعب بوصفه استجابة سلوكية؟
الخوف الحيواني: اقتصاد غريزي صارم
في عالم الحيوان، يعمل الخوف وفق منطقٍ اقتصادي بالغ الدقة. فكل استجابة محفَّزة بعامل خطر تكون:
محدودة زمنيًا
متناسبة مع حجم التهديد
موجّهة نحو النجاة المباشرة
خالية من التهويل والتهدير العصبي
هذا الانضباط ليس خيارًا أخلاقيًا أو معرفيًا، بل ضرورة تطورية. فالإفراط في الخوف يعني استنزافًا للطاقة، واضطرابًا في القرار، وتراجعًا في فرص البقاء، وهي كلها نتائج يعاقب عليها الانتقاء الطبيعي بلا هوادة.
الرعب الإنساني: كسر القالب الغريزي
على النقيض من ذلك، يكشف الرعب البشري عن كسرٍ جذري للقالب الغريزي. فالإنسان قد يرتعب من:
تهديدات رمزية أو متخيّلة
احتمالات مستقبلية غير مؤكدة
أفكار، أو سرديات، أو إشاعات
فقدان معنى، أو مكانة، أو هوية
وهنا لا يعود الرعب استجابةً لمثيرٍ مباشر، بل يتحول إلى حالة ممتدة، تستهلك الجهاز العصبي، وتُعطّل القرار، وتدفع إلى سلوكيات غير رشيدة، بل ومدمّرة أحيانًا.
الرعب كنتاج للتحويلة التطورية الأولى
وفق المنظور الميتابايولوجي، لا يمكن تفسير هذا التحول بالاستمرار الخطي للبايولوجيا التطورية. فالرعب ليس تطويرًا للخوف، بل تشوّهًا له.
إن التحويلة التطورية التي أعقبت “الأكل من الشجرة” – بوصفها لحظة خلل بنيوي في الوعي الإنساني – لم تُلغِ الغرائز الحيوانية، بل أفسدتها. فالغريزة التي كانت تعمل في إطارٍ صارم من الضبط، انفتحت على وعيٍ مختلّ، قَلِق، متشظّي، قادر على استحضار الخطر دون وجوده، وتضخيمه دون حدود.
وهكذا تحوّل الخوف:
من آلية بقاء
إلى حالة قلق وجودي
ثم إلى رعب لا وظيفة تطورية له
مأزق التفسير الدارويني
تعجز البايولوجيا التطورية الكلاسيكية عن تقديم تفسير مقنع للرعب البشري، لأنها تفترض ضمنيًا أن كل سمة سلوكية قائمة لا بد أن تكون نافعة تطوريًا. لكن الرعب، بما ينطوي عليه من:
تبديد للطاقة
شلل في القرار
تهديد للصحة النفسية والجسدية
قابلية عالية للاستغلال الاجتماعي والسياسي
لا يحقق أي منفعة بقائية واضحة، بل على العكس، يبدو كعبء تطوري خالص.
نحو بايولوجيا تطورية جديدة
إن الرعب البشري يفرض علينا إعادة النظر جذريًا في مسلّمات التفسير التطوري. فهو شاهدٌ حيّ على أن في ماضي الإنسان التطوري أسرارًا وانقطاعات لم تُدمج بعد في النموذج العلمي السائد.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى بايولوجيا تطورية جديدة، لا تكتفي بتفسير الإنسان بوصفه امتدادًا للحيوان، بل تعترف بحدوث:
خلل بنيوي في الوعي
انكسار في انتظام الغرائز
انتقال من اقتصاد البقاء إلى فوضى المعنى
وهي بايولوجيا لا ترى في الرعب “تكيّفًا”، بل أثرًا جانبيًا لانحراف تطوري لم يُعالَج بعد.
خاتمة: الرعب بوصفه دليل إدانة
ليس الرعب البشري علامة قوة، ولا دليل تعقيد راقٍ، بل هو – في جوهره – دليل إدانة لنموذج تفسيري قاصر، ولتصورٍ اختزل الإنسان في مجرد حيوان أكثر ذكاءً.
إن فهم الرعب هو خطوة أساسية لفهم الإنسان ذاته: كائن خرج عن قوانين الحيوان، ولم يستقر بعد على قوانين جديدة تضبط وجوده.
