
تكشف سورةُ يوسف، لمن يحسن تدبّرها، عن طورٍ مفصليٍّ في الوعي الإنساني، لا يتعلّق بالفعل الآثم ذاته، بل بما هو أخطر منه: البنية الإدراكية التي تُنتجه. فالحسد، في جوهره، ليس انفعالًا عابرًا ولا ضعفًا أخلاقيًا فحسب، بل هو تعبيرٌ عن خللٍ عميق في فهم السببية الوجودية، وعن توهّمٍ دفين بأن الإنسان قادر، بالمكر أو العنف أو الإقصاء، على إعادة هندسة ما قُدِّر لغيره.
فلم يكن إخوةُ يوسف بدعًا من البشر حين حسدوا أخاهم، ولا حين انساقوا وراء أوهام النفس التي زيّنت لهم التخلّص منه بوصفه “العائق” الذي يحول بينهم وبين محبة الأب. فهذا منطق بشري شائع يتمثل في اختزال المشكلة في الآخر، لا في الذات، وافتراض أن إزالة المتفوّق كفيلة بإعادة التوازن المختل. لكن لحظة الفرادة الحقيقية لم تقع عند الاعتراف بالذنب، بل عند انهيار هذا المنطق من أساسه.
ما جعل إخوة يوسف حالة استثنائية في السرد القرآني ليس توبتهم فحسب، بل تحوّلهم الإدراكي؛ إدراكهم المتأخّر أن تمايز يوسف لم يكن نتيجة مؤامرة ولا ثمرة تحيّز أبوي ولا خللًا في ميزان العدالة، بل تجلّيًا لإرادةٍ أعلى لا تُقاوَم. لقد بلغوا لحظة الوعي التي يعجز عنها معظم البشر؛ لحظة الاعتراف بأن العالم لا يُدار وفق أهوائنا، وأن التفاضل ليس دائمًا نتيجة صراعٍ يمكن كسبه أو خسارته، بل قد يكون اختيارًا إلهيًا يجري عبر سنن لا يملك الإنسان إيقافها ولا تعديلها. وهنا فقط قالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾. وهذا الإقرار ليس مجرد اعتذار أخلاقي، بل استسلام معرفي لحقيقةٍ وجودية ثقيلة مفادها أن الحسد كان محاولة فاشلة للتدخّل في نظام سببيٍّ يتجاوزهم، وأن كل ما اقترفوه لم يكن إلا دورانًا عبثيًا خارج مدار القدر.
إن السواد الأعظم من بني آدم لا يبلغ هذه النقطة. فالبشر، في الغالب، يتصالحون مع نتائج أفعالهم، لكنهم لا يتصالحون مع محدودية قدرتهم على التحكم في المصائر. يبرّرون حسدهم بألف ذريعة: عملٌ أو ذكاءٌ أو حظٌّ أو وراثة أو مصادفة، وكلها محاولات للهروب من الاعتراف الأشد إيلامًا: أن الفضل، حين يكون فضلًا، لا يُنتزع، وأن الرحمة، حين تتنزّل، لا تُستحق دائمًا بالمعايير التي نحبّها.
لقد أدرك إخوة يوسف ما يرفض وعي الإنسان المضطرب قبوله: أن الله هو الفاعل الأخير في شبكة الأسباب، وأن السنن التي تحكم هذا العالم لا تعبأ بحقد الحاسد ولا بمكره، وأن الصراع مع القدر ليس بطولة، بل جهلٌ ببنية الوجود. ومن هنا تأتي خطورة الحسد: لا لأنه يدمّر العلاقات فحسب، بل لأنه يكشف عن وعيٍ يرفض الاعتراف بأن للكون منطقًا أعمق من رغباتنا، وأن قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ ليس توصيفًا إيمانيًا فحسب، بل قانونًا وجوديًا لا يرحم من يتجاهله.
