الخلل السلوكي في الإنسان… من اضطراب الغريزة إلى فوضى الاستجابة

إذا كانت الغريزة الحيوانية تمثل إحدى أكثر البنى السلوكية إحكامًا في عالَم الأحياء، فإن الإنسان يقف بوصفه الاستثناء الأكثر إرباكًا في هذا السياق. فالغرائز التي يفترض أن تعمل بوصفها آلياتٍ تنظيمية تحفظ البقاء وتمنع الهدر، لم تؤدِّ في الحالة الإنسانية وظيفتها على نحوها الأصلي، بل تحوّلت، في كثير من تمظهراتها، إلى مصادر اضطراب وتشويش وانفلات سلوكي. وهذا الخلل لا يمكن رده إلى عوامل بيئية عارضة، ولا إلى تعقيد دماغي مجرد، بل يشير وفق المنظور الميتابايولوجي إلى ضرر بنيوي أصاب منظومة الاستجابة الغريزية ذاتها عقب التحويلة التطورية الأولى.
فالخوف، في أصله الحيواني، استجابة غريزية دقيقة محدودة واقتصادية. وهو لا يعمل إلا بقدر ما يقتضيه التهديد المباشر ولا يستمر إلا بقدر ما يستدعيه الخطر الواقعي. أمّا الرعب البشري، فيمثل انحرافًا جذريًا عن هذا المنطق. فالإنسان لا يخاف فقط مما يهدده فعليًا، بل مما قد يحدث أو مما يتخيله أو مما يُقال له أو مما يُبنى سرديًا أو رمزيًا. وبذلك يتحول الخوف من استجابة آنية إلى حالة نفسية ممتدة، ومن آلية بقاء إلى اضطراب وجودي شامل. وهنا لا نكون أمام تطوّر للغريزة، بل أمام فساد في وظيفتها.
كما وأن الغريزة في عالم الحيوان تعمل وفق اقتصاد صارم للطاقة والسلوك؛ وذلك من دون مبالغة أو تهويل أو استنزاف غير مبرر أو خوف بلا مثير مباشر. إن أي استجابة مفرطة تُعدّ فشلًا تطوريًا، وتُقصى تلقائيًا عبر الانتقاء الطبيعي. ولهذا لا يعرف الحيوان الرعب، بل يعرف الخوف بصفته أداة وظيفية محضة. أما الرعب في الحالة الإنسانية فإنه ليس مجرد خوفٍ أشد، بل تحطيم للقالب الغريزي نفسه. فبدل أن يكون محفَّزًا بخطر مباشر، يصبح محفَّزًا بأفكار أو احتمالات أو رموز أو تهديدات معنوية أو هوياتية. وبذلك تتفكك العلاقة بين المثير والاستجابة، ويُستبدل الضبط الغريزي بفوضى تقديرية تستنزف الجسد والوعي معًا.
وفق المنظور الميتابايولوجي، لم تُلغِ التحويلة التطورية الأولى الغرائز الحيوانية، بل أدخلت عليها خللًا بنيويًا. فالإنسان بعد “الأكل من الشجرة” لم يعد كائنًا غريزيًا خالصًا ولا كائنًا عقلانيًا مكتملًا، بل كيانًا هجينًا يملك وعيًا متضخمًا بلا منظومة ضبط متناسبة وبغريزة لم تُصمَّم للعمل داخل هذا المستوى من الوعي. ومن هنا نشأ الرعب بوصفه نتيجة مباشرة لتصادم غريزةٍ مصمَّمة لعالَم مباشر مع وعيٍ قادر على استحضار الخطر دون وجوده
والآن، إذا سألنا السؤال التطوري الحاسم: ما المنفعة البقائية للرعب؟ فلن نجد جوابًا مقنعًا ضمن النموذج الدارويني. فالرعب لا يزيد فرص النجاة ولا يحسّن القرار ولا يرفع الكفاءة السلوكية، بل يبدد الطاقة ويشلّ الفعل. وبذلك لا يمكن اعتباره تكيّفًا، بل عبئًا تطوريًا نشأ عن خلل لم تُعالجه مسارات الانتقاء.
فالبايولوجيا التطورية تفترض أن كل سمة قائمة لا بد أن تكون نافعة، أو كانت نافعة في مرحلة ما. غير أن الرعب البشري يفضح هذا الافتراض، وذلك لأنه يمثل سلوكًا غير نافع وغير اقتصادي وقابلًا للاستغلال ومصدرًا للانهيار الفردي والجماعي. وهذا ما يجعل الرعب نقطة كسر تفسيرية في النموذج السائد. فإدراج الرعب ضمن فصل الخلل السلوكي ليس توصيفًا نفسيًا، بل تشخيصًا ميتابايولوجيًا يشير إلى أن الإنسان مرّ بمرحلة انقطاع تطوري، لا يمكن فهمه دون الاعتراف بخلل في بنية الوعي أو فساد في انتظام الغريزة أو انتقال غير مكتمل من الحيواني إلى الإنساني.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن الرعب البشري يمثل أحد أوضح الشواهد على أن الإنسان ليس مجرد حيوان أكثر تعقيدًا، بل كائن خرج على قوانين الطبيعة، ولم يستقر بعد على قوانين بديلة تضبط سلوكه. إن الرعب، بوصفه خللًا سلوكيًا ميتابايولوجيًا، لا يدين الإنسان، بل يدين نموذج تفسيره. وهو يستدعي إعادة صياغة البايولوجيا التطورية ذاتها، لتصبح قادرة على التعامل مع الإنسان بوصفه كائنًا مختلّ التكوين، لا مكتمل التكيّف.

أضف تعليق