
من الأخطاء المعرفية التي يقع فيها العقلُ البشري مسارعتُه إلى إصدارِ الأحكام استناداً إلى معطياتٍ من خارجِ المشهد قيدَ الدرس. وتمثل هذه المسارعة إلى إطلاقِ الأحكام هكذا، ومن دون تدبرٍ للفواعلِ ذاتِ الصلة بصياغةِ هذا المشهد، سمةً بشريةً بامتياز، وذلك بالمقارنة مع ما تتصف به عملية إصدار الأحكام عند الحيوان. فمن ناحيةِ المنفعةِ التطورية، فإنَّ الحيوانَ لم يكيَّف بالطريقةِ التي تكفل له أن تكونَ له حريةُ إبداع ما ليس بذي صلةٍ بالمشهدِ الذي يتوجب عليه أن يتناولَه بالتقييم بغيةَ الوصولِ إلى قرارٍ مصيري بشأنه. فالحيوان لم يتطور داخل طبيعةٍ تسمح له أن يهدرَ من الطاقةِ والمواردِ ما يشاء، وذلك وفقاً لما يقتضيه قانونُ “الاقتصاد في الطبيعة”، وذلك على العكس مما يحدث في حالةِ الإنسان الذي قُدِّرَ له أن يستهلكَ ما يشاء من الطاقةِ والموارد بغيةَ الوصول إلى تقييمٍ وجودي يتيح له أن يخرجَ بنتيجةٍ تعتمد عليها ردود أفعالِه وما يستند إليها من خطواتٍ لاحقة يتحدد بمقتضاها السياقُ المستقبلي للمرحلةِ الوجوديةِ التالية.
وبناء على ما تقدم، فإنه لمن الإجحافِ المعرفي أن نجزمَ بانتفاءِ قدرةِ مقولاتِ الأقدمين على توصيفِ ما ينتمي لزمانِنا الذي تفصل بينه وبين تلك المقولات مئاتُ السنين. ولذلك أيضاً كان القطعُ باستحالةِ أن يكونَ لدى الأقدمين ما يُعينُنا على توصيفِ ما أصبح عليه عالَمنا اليوم من تسابقٍ بين أهلِه أيهم أكثر قدرة على إثباتِ أكبرِ قدرٍ من “الموجودية” و”التواجدية”، هو ضربٌ من الانحيازِ المعرفي الذي يذكِّر بغيرِه من الانحيازاتِ المعرفية التي أصبحت حضارتُنا المعاصرة عاجزةً عن التطهُّرِ منها والتبرُّءِ من آثارِها السلبية. فيكفينا على سبيل المثال أن نستذكرَ مثَلين من تراثِنا العربي حتى ندركَ الحقيقةَ التي تأبى عقولُنا أن تصدِّقَها.
المثل الأول مفادُه “مَن أمِنَ العقوبةَ أساءَ الأدب”، والمثل الثاني، وهو باللهجةِ المصرية، مفادُه “ناس تخاف ما تختشيش”. فما يشهده العالَمُ اليوم من ظلمٍ منقطعِ النظير هو عينُ ما يتحدث عنه هذا المثلان. فلولا أنَّ الرئيس الأمريكي الحالي ترمب قد أمِنَ أن يُحاسَبَ فيُعاقَبَ على عدوانِه المتواصل على الشرعةِ الدولية، والقوانين والمواثيق التي تنظِّم سبلَ التعاملِ بين الدول، لما أقدمَ على عدوانِه على فنزويلا، وعدوانِه على غرينلاند والمتمثل بتهديداتِه المتواصلة بالاستحواذِ عليها وإن استدعى ذلك أن يغزوَها عسكرياً!
