سيكولوجيا التجزئة… لماذا فكك العقل البشري مفهوم “الإله الواحد”؟

إن الملاحظة الدقيقة لأساطير نهر الزامبيزي وأمريكا وأستراليا، تكشف عن نمط متكرر: وجود إله خالق متعالٍ (بايامي، نيامبي، واكان تانكا)، لكنه “بعيد” أو “متوارٍ”، بينما تزدحم الحياة اليومية بآلهة وسيطة (نيامي نيامي، أفعى قوس المطر، أرواح الرعد). هذا التحول من “الواحد” إلى “المتعدد” يمكن تفسيره من خلال ثلاثة دوافع فلسفية وسيكولوجية كبرى
1. البحث عن “الإله القريب” (سيكولوجيا المسافة)
في الوعي البشري القديم، كان “الإله الخالق” كلي القدرة يُنظر إليه كقوة هائلة وعظيمة لدرجة تجعل من الصعب على الإنسان المحدود التواصل معه مباشرة. فمال الإنسان لتفتيت هذه القوة إلى “آلهة متخصصة” تكون قريبة من احتياجاته اليومية. فعلى سبيل المثال، بدلاً من مخاطبة “نيامبي” المتعالي لطلب السمك، استحدث الخيال البشري “نيامي نيامي” كإله للنهر يمكن استرضاؤه وتقديم القرابين له. التعدد هنا هو محاولة “لأنسنة” الإله وتقريبه من عالم المادة.
قارن ذلك بالفكر التوحيدي الصافي، والذي يمتلك فيه الإله الواحد صفات الرزق والعدل والقدرة والجمال. فبمرور الزمن، وبفعل ميل العقل البشري للتجسيد (Anthropomorphism)، انفصلت هذه الصفات عن “الذات الإلهية الواحدة” لتصبح “آلهة مستقلة”. ولقد تحولت “قدرة الله على الإحياء” إلى إله للمطر، وتحولت “عدالة الله” إلى إله للحرب أو الحساب. فأصبح مجمع الآلهة (Pantheon) في أساطير الشعوب ليس إلا “صفات الإله الواحد” وقد تجسدت في صور كيانات منفصلة لتسهيل استيعابها ذهنياً.
فلقد أسقط الإنسان القديم تجربته الاجتماعية والسياسية على مفهوم إله الواحد. فكما أن الملك العظيم لا يباشر شؤون الرعية بنفسه بل عبر وزراء ووكلاء، تصور العقل البشري أن “الإله الزعيم” قد فوض سلطاته لقوى أدنى؛ ولقد أدى هذا التفويض مع الوقت إلى “استقلال الوكلاء”. فصار الإنسان يعبد “الوكيل” (إله النهر أو الشمس) لكونه المباشر لمصلحته، متناسياً “الأصيل” (الخالق الأعظم). وهذا يفسر لماذا نجد في أساطير أستراليا والزامبيزي تعظيماً هائلاً لآلهة محلية، رغم اعترافهم الضمني بوجود خالق أسمى وراءها.
فالإله الواحد في الديانات التوحيدية يطلب “الاستقامة الأخلاقية” الشاملة، وهو أمر شاق على النفس البشرية. أما تعدد الآلهة، فيسمح بنظام “المقايضة”: قُربان لإله النهر لزيادة الصيد، أو طقس لإله الرعد لاتقاء شره.
لقد منح التفتيت الإنسان شعوراً بالسيطرة؛ فمن الأسهل التعامل مع إله “متخصص” ومحدود السلطة من التعامل مع إله “مطلق” يحيط بكل شيء علماً.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن تفتيت الإله الواحد في أساطير السكان الأصليين لم يكن صعوداً من الجهل إلى المعرفة، بل كان “هبوطاً من التجريد إلى التجسيد”. لقد كان العقل البشري عاجزاً عن احتمال سطوع الحقيقة الواحدة المطلقة، فقام بكسرها إلى “شظايا” ملونة تناسب حاجته وضعفه، تماماً كما يكسر المنشور الزجاجي الضوء الأبيض الواحد إلى ألوان الطيف المتعددة. إن “نيامي نيامي” و”أفعى قوس المطر” ما هي إلا ألوان، والتوحيد هو الضوء الأبيض الأصلي الذي انحدرت منه.

أضف تعليق