قلب الهرم المقلوب… قراءة مغايرة في أساطير الزامبيزي والأمريكيتين وأستراليا

ساد في علم الاجتماع الديني الكلاسيكي، وتحديداً منذ “إدوارد تايلور” و”ديركايم”، اعتقاد بأن الدين البشري بدأ من “الأنيمية” (تعدد الأرواح) ثم تطور إلى “تعدد الآلهة”، لينتهي أخيراً بـ “التوحيد”. إلا أن التأمل العميق في ميثولوجيا الشعوب الأصلية في أفريقيا (حول نهر الزامبيزي) وأمريكا الشمالية وأستراليا، يكشف عن حقيقة مغايرة تماماً؛ حقيقة تشير إلى أن التوحيد كان هو “النواة الجوهرية” التي انبثقت منها لاحقاً منظومات التعدد، حيث يبرز دائماً “إله عظيم” مهيمن، يتربع على عرش السلطة المطلقة، مفوضاً شؤون العالم الصغرى لآلهة أو قوى أدنى.
بينما يبرز نيامي نيامي كإله لنهر الزامبيزي، نجد أن شعوب المنطقة (مثل التونجا واللوزي) تؤمن بوجود قوة عليا أسمى تُعرف باسم “ليتسا” (Leza) أو “نيامبي” (Nyambe)؛ فـ “نيامبي”هو الخالق الكلي الذي لا يُحد، وهو الذي أعطى “نيامي نيامي” سلطة حماية النهر. وهنا لا نجد صراعاً بين آلهة متساوية، بل نجد “إلهاً أعظم” فوض جزءاً من سلطته لإله محلي (إله النهر)، تماماً كما تُصور الديانات التوحيدية الملائكة أو القوى الغيبية المدبرة بأمر الله.
عند قبائل “السيـو” و”الألغونكوين”، نجد مفهوماً مركزياً هو “واكان تانكا” أو الروح العظيمة. فالسكان الأصليون يرون أن كل مظاهر الطبيعة (الشمس، الرعد، الأرض) هي آلهة أو قوى مقدسة، لكنها ليست مستقلة بذاتها، بل هي “تجليات” أو “وكلاء” للروح العظيمة الواحدة. وهذا الإله الزعيم هو المصدر الذي تنبع منه القدسية وتعود إليه، مما يجعل منظومة التعدد لديهم مجرد وسيط لتسهيل التواصل مع “المطلق” البعيد.
في ميثولوجيا “زمن الحلم” الأسترالية، يبرز الإله “بايامي” (Baiame) كالأب السماوي والخالق الأعظم. فعلى الرغم من وجود “أفعى قوس المطر” وقوى الطبيعة الأخرى، إلا أن “بايامي” يظل هو المشرع الأول الذي وضع القوانين الكونية. تشترك هذه الرؤية مع الديانات الشرق أوسطية في فكرة “الإله السماوي” الذي خلق العالم ثم اعتزل في السماوات العليا، تاركاً تدبير التفاصيل لقوى أدنى، وهو ما يسمى في علم الأديان بـ “Deus Otiosus”( الإله المتواري).
وبالنظر إلى أساطير وادي الرافدين (آنو)، ومصر القديمة (رع/آمون)، وحتى الأساطير الجرمانية (أودن) والكلتية، نجد نمطاً متكرراً: مجمع آلهة (Pantheon) يرأسه إله واحد لا يُنازع في عظمته. هذا التوافق العالمي يشير إلى أن فكرة “تعدد الآلهة” لم تكن أصلاً، بل كانت “تفتيتاً” لوظائف الإله الواحد المطلق. فبدلاً من إله واحد يدير كل شيء، تفرقت الصفات الإلهية (الرحمة، الغضب، الرزق) لتصبح آلهة مستقلة في مجمع تقوده القوة المركزية.
إن المقاربة المغايرة التي تدعو إليها هذه المقالة تخلص إلى أن التاريخ الديني للبشرية هو رحلة من “الوحدة إلى التشتت” ثم العودة للوحدة. فالشعوب الأصلية في أفريقيا وأمريكا وأستراليا احتفظت بذاكرة “الإله العظيم” الذي يشبه إله الديانات التوحيدية، مما يدعم فرضية أن التوحيد هو الجذر المشترك الذي تشعبت منه أغصان التعدد الوثني لاحقاً، وذلك نتيجةً لبعد الإنسان عن المركز الإلهي وحاجته لتقريب الغيب عبر “آلهة وسيطة” تمثل الطبيعة وعناصرها.

أضف تعليق