
ساد في علم الاجتماع الديني الكلاسيكي اعتقاد بأن الدين البشري بدأ من “التعدد” ثم انتهى إلى “التوحيد”. إلا أن التأمل في ميثولوجيا الشعوب الأصلية يكشف أن التوحيد كان هو “النواة الجوهرية”، وأن التعددية ما هي إلا توزيع لوظائف الإله الواحد على وكلاء محليين.
فعلى سبيل المثال، وفي حوض نهر الزامبيزي في أفريقيا، يبرز “نيامي نيامي” كحارس للنهر، نجد أن التراتبية الروحية تنتهي دائماً عند “نيامبي” (Nyambe)، الخالق الذي يتجاوز المادة. تقول الأسطورة التقليدية لشعب اللوزي (Lozi) بوضوح:
“في البدء كان نيامبي هو الذي صنع كل شيء؛ صنع الغابات والحيوانات والنهر، ثم صنع الإنسان. وعندما حاول الإنسان أن يتحدى عظمته، صعد نيامبي إلى السماء عبر خيط من العنكبوت، ومن هناك صار يدير العالم بأسره عبر وسطاء الطبيعة.”
هذا النص يثبت أن “نيامي نيامي” ليس إلا قوة مفوضة من قِبل “نيامبي” لإدارة النهر، مما يعيدنا لنمط الإله السماوي المتعالي في الديانات الشرق أوسطية.
أما عند قبائل ” السيـو”Sioux، أحدى القبائل الأمريكية الأصلية، نجد أن مفهوم “واكان تانكا” ليس مجرد اسم لإله، بل هو تعبير عن “الوحدة المقدسة”؛ حيث يذكر الحكيم “الأيّل الأسود” (Black Elk) من قبيلة الأوغلالا سو في نصوصه المحفوظة:
“يا واكان تانكا، أنت الواحد الذي كان موجوداً قبل كل شيء، ولا يوجد شيء قبلك. إنك تعطي الحياة لكل الأشياء، وكل الآلهة الأخرى التي نراها في الشمس أو الرعد هي مجرد أنفاس من روحك العظيمة، تعمل بمشيئتك.”
هذا الاقتباس تؤكد فرضية أن التعدد لديهم هو “تعدد تجليات” وليس “تعدد أصول”، حيث يظل “واكان تانكا” هو المركز والمفوض لكل القوى الأخرى.
كما أننا نجد في اساطير استراليا، أن في ميثولوجيا “زمن الحلم”، يبرز “بايامي” (Baiame) كالأب الأزلي. وفي التراتيل الجنائزية لقبائل “كاميلاروي”، نجد وصفاً دقيقاً لسلطته:
“بايامي هو الذي ثبت الجبال، وهو الذي أعطى للناس القوانين. لقد فوض أفعى قوس المطر لترسم مجاري المياه، وأمر الأرواح بأن تحرس الغابات، لكنه هو وحده من يملك الكلمة الأخيرة في محاكمة النفوس عند عودتها إلى النجوم.”
هنا نرى بوضوح فكرة “الإله الزعيم” الذي يمنح الصلاحيات (التفويض) لآلهة أدنى (أفعى قوس المطر والأرواح)، محتفظاً لنفسه بالسلطة التشريعية والجزائية العليا.
إن هذا التوافق العالمي بين الزامبيزي وأستراليا والأمريكيتين، وما يماثله في مجمعات الآلهة في مصر (آمون) وبابل (مردوك/آنو)، يشير إلى أن التاريخ الديني هو رحلة من “الوحدة إلى التشتت” . لقد تحول “الملائكة” أو “الأرواح المأمورة” في الوعي البشري لاحقاً إلى آلهة مستقلة، مما جعل “التوحيد الأولي” يتوارى خلف حجاب من التعددية الوثنية.
إن هذه النصوص تؤكد أن الإنسان القديم لم يبدأ من الصفر ليتدرج نحو التوحيد، بل حمل معه “بذرة التوحيد” من أصله الأول، ثم شيد حولها قصور الأساطير التعددية. وبذلك، تصبح ميثولوجيا السكان الأصليين “سجلاً حياً” يوثق انحراف الأديان عن أصلها التوحيدي الأول، وليس العكس.
